ليبيا ما قبل السقوط
لا تخلو عملية البحث، والتنقيب عن المراجع، والمصادر العلمية من بعض المشقة، والعنت، ومع ذلك تحمل هذه العملية في طياتها -أحيانا- ودون سابق إنذار، مفاجآت بمثابة هدايا غير متوقعة، تثير فضول الباحث، وتخفف معاناته. أنطلق من هذا المفهوم، لان الصدف وحدها أوقعت في طريقي قبل أيام، كتابا أنست بمضمونه، ووجدت أن من المفيد الوقوف عنده، ومعه، وأولى وقفاتي مع العنوان والمؤلف عنوان الكتاب «ليبيا انبعاث أمة.. وسقوط دولة» وكما يُلاحظ أن العنوان يحمل ضمنا في شقه الأول وعدا بالتصريح برؤية، أو قراءة ما، وفي شقه الثاني يوحي بنبوءة بالمستقبل، وكلا البعدين يحثان على الاطلاع، ومتابعة القراءة.أما المؤلف فهو استثنائي في تقديري في تجربتيه العلمية والعملية والوطنية، فالسيد مصطفى بن حليم من مواليد ١٩٢١م، وكان مستشارا سياسيا للملك ادريس - رحمه الله - وهو رئيس وزراء أسبق في بلاده إبان العهد الملكي. الكتاب فيه فصول كثيرة، ويتحدث عن مفاصل في الحياة السياسية والاجتماعية في ليبيا، وما يهمني ان اتابعه مع القارئ هو افكار رئيسة خلصتُ إليها تشكل جوهر مادة الكتاب. أولى هذه الافكار هي رؤية تمهيدية عامة تقوم على مبدأ ان الشعب الليبي استحق استقلاله بعد تضحيات، وانه كان على بداية الطريق ولو نظريا لتحقيق مفهوم الدولة، والحداثة، بمعناها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، إلا ان إعلان نجاح انقلاب ١٩٦٩ بدد كل تلك الآمال. فالانقلاب ألغى النظام الملكي، وأعلن النظام الجمهوري، ورفع شعارات الديموقراطية، والاشتراكية، والشعبية وغيرها من الشعارات، لكن الواقع الذي عاشه الناس في الداخل ويدركه من يراقب الأوضاع من الخارج يقول: إن ما يُمارس على أرض الواقع هو نظام حكم الفرد المستبد، القائم على القمع، والمصادرة والتهميش. هذا الواقع سمح بمراجعة قد تكون اقرب الى العاطفية لفترة النظام الملكي التي لم تدم طويلا، فحتى تلك الفترة حملت معها اخطاءها الخاصة، فمن حيث ممارسة المفهوم الديمقراطي انطلاقا من تصورها في أدبيات وثقافة الغرب، لم تكن تلك العملية ناجحة تماما، اضافة الى انها لم تعط الوقت الكافي للتطور، والتبلور، وحال دون ذلك أسباب موضوعية في بنية المجتمع الليبي، مثل: الانتشار الواسع للامية، ونقص الوعي السياسي، وتذبذب الولاء السياسي بين الداخل والخارج، وضعف الولاء الوطني بفعل عوامل القبلية والمناطقية. ومن لطيف وطريف التوصيف في هذه الجزئية تشبيه المجالس النيابية، والتشريعية التي كانت موجودة بانها كانت أقرب إلى مجالس الأعيان والوجهاء في المجتمعات البدوية، وليس مجالس ذات مسؤوليات تشريعية لها أدوار المراقبة والمحاسبة للحكومة. ولعل تفسير بعض هذه الملاحظات: ان النظام الديمقراطي تمت محاولة استنساخه في بيئة لها واقعها الثقافي الخاص، وطابعها الاجتماعي المختلف، وبنيتها الاقتصادية الأولية. النظرة إلى أوجه متعددة من الواقع الليبي لم تمنع الكاتب من الملاحظة، ولو بشكل عام للواقع العربي، حيث شخص واحدة من اشكاليات ذلك الواقع المهمة بأنها تكمن في محاولة البحث عن النظام السياسي الافضل «الشكل» والأكثر مناسبة للبيئة والمناخ العربي ببعده الإسلامي وبواقعه الاجتماعي. ومع الجرأة في تحديد الإشكالية هناك محاولة للنأي عن طرح صيغة مفضلة عن غيرها، انما هناك خطوط عامة قد تهدي المجتمع السياسي الى التوافق على شكل اكثر مقبولية، ومواءمة، تتم بالمزاوجة مع القيم والخصوصيات العربية والمحلية لكل بيئة في منطقتنا، ومن هذه الخطوط: التخلص من حكم الفرد لصالح حكم المجموع، من خلال مزج الشورى ببعدها الثقافي، والديمقراطية بروحها التنظيمية. يلزم لاستقرار المجتمعات واستمرار عطائها قطع الطريق على القوى الانقلابية - ايا كانت المسميات التي ترفعها، وتروج لها - بتأصيل قيم الحرية بين الناس، والشورى والمسؤوليات العامة، مع ضرورة ان يكون من يشغل منصب قيادة الناس، والدولة ذا اهتمام وطني بتوعية المجتمع بحقوقه الدستورية، لمساهمة أفضل في بناء المجتمع والدولة. وفي الدائرة الخاصة بليبيا ومستقبلها السياسي فصل الكتاب، والكاتب شكل النظام الامثل، بناء على الواقع هناك بصورة عامة، وغلب على الرؤية العامة أمران، الاول: خبرة الرجل وثقافته المقارنة بين الانظمة السياسية وآليات عملها، والثاني: فهمه الخاص للواقع الليبي الحديث والمعاصر. ويبقى الجزء الاكثر اثارة في رأينا الرسالة العالية النبرة، والوضوح للنظام السياسي في البلاد الليبية قبل قيام ثورة ١٧ فبراير بما يزيد على ثمانية أعوام، وقبل سقوط نظام العقيد القذافي كنتيجة طبيعة لقيام الثورة. هذا الجزء كان اشبه بالمقاربة والمكاشفة والقراءة الخاصة، لكثير من احداثيات الواقع التي أبرزها الخلوص للنتائج المهمة مثل: إن النظام السياسي الذي كان يوصف دائما بالانقلابي وصل في الواقع الى درجة مزرية، فشل المجتمع في مقاومتها بكل الطرق المعروفة، والممكنة، وبناء على ذلك وقف المجتمع موقفا سلبيا من النظام من خلال عدم التفاعل مع أطروحاته ومشاريعه. هذه العزلة الداخلية صاحبتها عزلة خارجية من بعض أطراف المجتمع الدولي، وبناء على سلوكيات قاتلة للنظام، وكل ذلك عزز الفهم بان النظام دخل مرحلة «افلاس» ولم يتمكن من تحقيق رفاه في الداخل، ولا سمعة حسنة في الخارج. ويستشهد الكتاب بأحد خطابات القذافي في العام ٢٠٠٣م الذي تبرأ الرجل فيه من كل تاريخه وخططه ونظرياته، واتهم رفاق الثورة باللصوصية، وتوعدهم بالمحاسبة.نص الخطاب طويل وصادم وأظهر قدرا كبيرا من الخيبة والتخبط الحقيقي الذي كان تمر به البلاد.وزاد الأمر صعوبة على الناس ما أعلن عن تطبيقه حينها، وسمي بالرأسمالية الشعبية التي تعني الغاء القطاع العام، بما فيه المنشآت الحيوية التي تخدم الناس باسم الدولة.الجزء العملي في الكتاب احتوى على نصيحة عامة قدمت للنظام الليبي حينها: أي قبل سقوطه بنحو عقد من الزمن تقريبا، وهذه النصيحة بُنِت في جوهرها - أو كما فهمتها انا - على القراءة الواقعية لطبيعة النظام حينها «الافلاس» اضافة الى زلزال الغزو الامريكي للعراق، وما تبع ذلك من هزات ارتدادية واشارات سياسية عامة، وخاصة. جوهر النصيحة توجه للقذافي بشكل مباشر، الذي كان عليه ان يعترف بتحمل تبعات كل ما حدث للبلاد والعباد، قبل ان يسلم مسؤولية ادارة الدولة والمجتمع لمن يحاول انقاذ ما يمكن انقاذه.ولان هذه النصيحة كانت مثالية نوعا ما فكان من المتوقع ألا تجد صدى لدى الحاكم المستبد، لذا كانت هناك نصيحة بديلة تقوم على فكرة بقاء القذافي، مع توجهه بشكل صادق وبضمانات الى الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مع ضرورة الغاء ما كان يعرف بالنظرية العالمية الثالثة، والكتاب الاخضر، وحل كل ما يترتب عليها من تنظيمات وتشريعات وأنظمة ولوائح، والسعي لتحقيق مصالحة وطنية بين الليبيين ترُد المظالم، وتُعيد الحقوق المادية والمعنوية للناس.من الاشارات الجديرة بالملاحظة بروز روح العقل، والتسامح، والدعوة للمصالحة، والحث على العودة للشعب والاحتماء به بدلا من محاربة أمانيه في الحرية، والعيش الكريم، وبالحث على الاستفادة من تحارب الماضي القريب، وتذكير النظام الذي اعتمد على الفرد ورؤيته وروحه وأخطائه، بأن الوقت - وإن طال به - فهو في واقع الحال قصير. بقيت النصائح والرؤى والحلول بعقلانيتها، وجمالها، وامكانية تطبيقها حبيسة صفحات الكتب، وصدور الرجال، ودارت عجلة السقوط، ولا أحد يعرف متى ستقف... إلى اللقاء.