د. محمد حامد الغامدي

صُنّاع التّخلّف

أن تكون عضو هيئة تدريس في جامعة. يعني أن تعمل مع عقول علمية تملك قدرات خاصة. مركّزة بفعل التعلّم والتخصص. العقول تحتاج إلى إدارة لاستثمارها. أن تفشل الإدارة فهذا يعني تحول العقول إلى مسارات أخرى. أن تكون الإدارة غير واعية بمسئوليتها فهذا يعني تحول العقول إلى ساحات صراع بينها. هنا الخسارة والكارثة. خسارة لطاقة عقول علميّة. وكارثة ضياع وقت وجهد في أمور جانبيّة. تقود الصّراعات بين العقول إلى حسابات غير نافعة. لا أسعى لتوضيح دور الإدارة في استثمار علماء الجامعة. إشارة لكيف نخسر عقولا علميّة استغرق بناؤها سنوات. كلّفت الكثير من المال. دور إدارة الجامعة لا يختلف عن دور قائد فرقة موسيقية. آلات مختلفة. أنغام مختلفة. عزف مختلف. مواقع مختلفة. تعزف في وقت واحد. نستمتع في وقت واحد. لا يوجد نشاز وتضاد بينها. لكن تناغم وتوافق. عطاء بجودة فائقة. عزف يجعلنا نستمتع بكل نغمة. الجامعات لا تخرج عن دور أي فرقة موسيقية. إذا كانت الفرقة الموسيقية تبحث عن أصحاب المواهب. بهدف التدريب لتنمية الموهبة. يعني اختيار الأجود. حتى الجامعات تختار الأجود لكنها لا تختار الموهوب. وتلك إحدى علامات قصور الجامعات. يخضع الأجود لمعايير كثيرة. ونحكم على ما يحمله من وثائق. بعض هذه الوثائق تعبّر عن جودة مصطنعة. جودة مغشوشة. يدخل صاحبها في منافسة الاختيار. يجتاز الحواجز بفعل جهد صُنّاع التّخلّف. فعل مضر بالمستقبل. هناك أيضا من يعمل لتوريث مهنته كعالم. يستخدمون طرقا ووسائل سلبية.في مجال العلم البقاء للأفضل. بقدر دقة اختيار أعضاء هيئة التدريس ترتقي الجامعات بنفسها ومستقبلها. هل طرق اختيار المعيدين عادلة؟! المعيد هو استاذ المستقبل. حسن الاختيار يضمن جودة المستقبل؟! يكون الاختيار غير موفق مع غياب المعايير الصحيحة أو جمودها أو توظيف النفوذ، أو قلة جودة الإدارة. هذا ينعكس على جودة التعليم ومخرجاته. تظهر نتائجه السلبية على المدى الطويل. وضع لا يختلف عن مؤشرات التصحر التي تظهر قبل ظهوره بسنين طويلة.اختيار المعيدين يخضع لعوامل أخلاقية. منها الأمانة. هناك حالات تجاوز كثيرة. المعدل وحده لا يكفي. كمثال: سجل طالب في كلية بإحدى الجامعات. فشل في مواصلة الدراسة. فصل من الجامعة. التحق بكلية غير جامعية. تخرج. بفعل صنّاع التخلّف تم تعيينه معيدا في الجامعة. بنفس الكلية التي تعثر فيها. أهداف الكلية التي تخرج فيها تختلف تماما عن الكلية التي تم تعيينه معيدا بها. هذا مؤشر يوضح ما سيكون عليه المستقبل. هذا التصرف حرم الأكفأ والأفضل منذ البداية. الجامعة إدارة رشيدة. أن تكون وصيّا على علماء فهذا فشل. أحد أهم دور للإدارة تنمية الانتماء والولاء. هذا يعني مسئولية خاضعة لمعايير جودة دقيقة. تجاوزها هدم لا يحقق الانتماء والولاء الذي هو الحب الذي يطور ويبني. التجاوزات ليست من العدل والحكمة. البعض يهدم. حولهم عقول أكاديمية ترصد التجاوزات. قد تنتقل اليهم العدوى. بفعل الأخطاء والتجاوزات تصاب العقول الأكاديمية بأمراض تدني مستوى المسئولية الأخلاقية ومنها قلة الأمانة. عندما أقارن بين الأجيال في الجامعات من أعضاء هيئة التدريس أجد أن الجيل السابق أفضل من الجيل الذي يليه وهكذا. لماذا وكان يجب أن يكون العكس؟! هل يعود السبب إلى القيم التي يحملها كل جيل؟! كلهم علماء بنفس جودة العلم. الأجيال التالية تفتقد لبعض القيم. لا يمكن اكتسابها من دراساتهم العليا. قيم تزرع وتبذر عبر جميع المراحل الدراسية في التعليم العام. أيضا عبر التربية. أيضا خاضعة للتغيرات الاجتماعية السلبية.التغيرات الاجتماعية ورصدها لصالح المستقبل غير موجودة. علماء الاجتماع وبقية العلوم ذات العلاقة لهم دور مهم وضروري. وصلنا درجة من انحطاط الشأن ان تم اغلاق تخصصات علم الاجتماع وبقية التخصصات ذات العلاقة لعدم وجود وظائف لخريجي هذه الاقسام. تخصصات علمية يجب أن تستمر في مجال البحث ورصد التغيرات الاجتماعية. وليس بالضرورة أن تخرّج طلابا. في غياب القيم الأخلاقية يصبح أداء العمل غير أمين. يغلب عليه طابع المصالح الشخصية. غياب القيم يعني غياب فلسفة منهج الحياة السليم. كل التجاوزات تقع خارج غطاء القيم العظيمة للإنسان. نحتاج إلى بناء القيم في الإنسان قبل أي تنمية. النجاح الحضاري يقوم على القيم الأخلاقية. غيابها يهدم الحضارات القائمة. فكيف يبني غيابها حضارة؟!.