التباين الطائفي في مجتمعات محترقة
متى بدأت الطائفية؟ سؤال عرضي مررت به خلال طواف في موقع تويتر، وهو من الضخامة بما يجعله يبدو روتينيا وقابلا لأن يكون عابرا فكريا حين يكون الأمر متعلقا بجولة فيما يتم تداوله، ولكن هو السؤال الجوهري فيما يتعلق بكل حراكنا ومتغيراتنا وأزماتنا، لأنه يتطلب استعادة واستدعاء لجذور الطائفية والبحث في عمق القضية من أجل دراستها وبحثها والتعامل معها في سياقات فكرية منهجية تقتضي تسوية مناسبة وملائمة للحق في استقرار المجتمعات ومنع الحريق الذي تتسبب فيه.البداية بالتأكيد تاريخية وظلت في حالة ترحال حيوي مع الوقت كجزء من موروث سالب وغير جدير بالاحتفاظ به، لأنه يمثل تشويها للحق الإنساني والحضاري للمجتمعات في التعايش والتقارب والاستقرار والأمن والسلام المجتمعي، فجميع مجتمعاتنا تستعر الآن بطائفية خامدة حينا وناشطة أحيانا، لأسباب تتفاوت بين الحفز العقدي والمرارات التي نتجت عن مشاجرات تاريخية أضاعت معها فرص التسامي والتسامح والقفز على كل ما هو سلبي بذات الأبعاد الدينية التي تدعو الى ذلك.حين يتعايش الأفراد في نسق جمعي فذلك يعني تلقائيا تكوين صلات وأواصر لها امتدادات ترتكز الى قيم وقواسم مشتركة، لا يمكن التفريط فيها أو الإفراط في الزعم بالاحتفاظ بها، لأن الإفراط يقود الى التمايز الذي يقود بدوره الى الإقصاء والتصنيف غير المنهجي، ومن ثم ننتهي الى التطرف الثقافي والفكري والاجتماعي انتهاء بالديني الذي تتأجج معه الطائفية، يمكن تلخيص النبتة الطائفية بهذه البساطة، لأن ذلك ما يحدث من واقع اشتعال جذوتها في أكثر من مجتمع بدوافع عقدية موروثة بطريقة خاطئة لم تجد مسارا للتصحيح عبر الحوار والدراسات الجدّية بدءا من الأوضاع الاجتماعية التي تتعلق بالفكر الاجتماعي ومتغيراته.الطائفية ليست بديلا فكريا لشيء غير الدمار والتخريب والتجريح والتشويه العقلي والنفسي، لذلك فإنها تظل خيارا سلبيا لدى من يستعصمون بها في مواجهة الآخر المجتمعي والعقدي، وفي ظل عدم وجود جدّية حقيقية وفاعلة في الإجابة عن السؤال الطائفي فإنها تبقى من الخطورة بما يهدد الأمن المجتمعي والسلام الداخلي؛ لأن هناك تآكلا مستمرا للقناعات والخيارات الصحيحة التي تستقيم مع سلامة الروح والعقل والنفس، وبالتالي فإن الحصاد التراكمي لها يهدم كل جهود للتعايش والتقارب اللذين يأتيان عبر الحوار والاتفاق على القواسم المشتركة الكبرى والصغرى، ومن خلال مجريات الواقع المعاصر في أكثر من مجتمع ووطن، فمن المهم التعاطي العلمي مع هذه الحالة الفكرية الخاطئة التي تنسف الآمال والطموحات بالأمن والسلام، طالما ظلت موروثا باقيا في الذاكرة والوجدان والعقل الاجتماعي.