خليل الفزيع

مبتعثون في مهب الريح

ثمة مشكلة تؤرق أولياء أمور الطلبة المبتعثين للدراسة في الخارج، فهم في معظمهم شباب بما تعنيه هذه الكلمة من اندفاع وعواطف جياشة ورغبة في المغامرة، يساعد على ذلك خروجهم من مجتمع مغلق إلى مجتمعات منفتحة، تغري الكثيرين بالوقوع في قبضة التصرفات غير الواعية وغير المدركة للعواقب الوخيمة الناتجة عنها، ومن تلك التصرفات غير المحسوبة النتائج هي الزواج من بنات تلك البلاد، ليصبحوا في مهب الرياح الهوجاء. بين أيدينا حالة من هذه الحالات التي يقع فيها الشباب، لمجرد الإعجاب والانجراف وراء العواطف دون تقدير النتائج، هذا ما سنعرفه من أحداث رواية (سعودي - مونتانا) التي عاش مؤلفها إبراهيم الربيعة أحداثا مريرة، قادته إلى أقسام الشرطة والمحاكم، ليضمن حقه في حضانة أطفاله، وفي تمهيده لروايته يقول المؤلف: «هذه الرواية ليست نسيجا من الخيال، بل هي تصوير أدبي لأحداث واقعية في مطلع شبابي، ربما تكون أكثر خيالية من الخيال، وقعت في مجتمعين مختلفين لا يفصل بينهما المكان فحسب، ولكن على نحو أكثر، يباعد بينهما المعتقد والتقاليد». وبذلك الزواج فقد العمل، وفقد الحياة الزوجية المستقرة، كل ذلك لمجرد نظرة إعجاب ولدت عاطفة عارمة، أدت إلى الزواج.. كان مبتعثا من جهة عسكرية، وهو لا يزال ابن التاسعة عشرة، وللمرة الأولى يخرج من مجتمع أحسائي محافظ إلى الدمام حيث مقر عمله في البحرية، ولم يمكث بها طويلا ليجد نفسه في شهر مايو من عام 1978م مع مجموعة من الشباب في طائرة متوجهة إلى شيكاغو، وليواجه مجتمعا جديدا دون تهيئة توعوية تستطيع امتصاص هذه الصدمة الحضارية التي أفقدته توازنه، لينجرف وراء عواطفه بشكل لم تألفه تلك الأمريكية التي تعرف عليها بالصدفة، ولكنها تصده في البداية، ثم تستسلم لهذا الحب الجارف، رغم حذرها الناتج عن تجربة زواج سابقة لم تنجح، وقد وجدت أملا جديدا من هذا الإنسان الوافد من الشرق ليغدق عليها الكثير من عواطفه وهداياه، ويكون الزواج، وتتوالى الأحداث سريعا، حتى إذا علمت جهة عمله العسكرية بما أقدم عليه فصلته من عمله، لتبدأ النزاعات والخلافات والتآمر من الطرفين وكل طرف يريد الاستحواذ على حضانة الأطفال (مريم وسارة وعبدالله) فلا الزوجة استطاعت أن تستقر في بيئة أحسائية غريبة عليها، ولم تنسجم مع الحياة في البحرين أو الخبر، ولا الزوج قادر على ترك أطفاله مع أم لم تعد محل ثقته، وبعد أحداث دراماتيكية كثيرة تكون النتيجة هروبها الأخير بأطفاله إلى البحرين أثناء حرب الخليج، بواسطة بعض المجندين الأمريكان في إحدى الشاحنات العسكرية التي لم تكن تخضع للتفتيش عند الحدود في ذلك الوقت، ومن البحرين إلى أمريكا بمساعدة السفارة الأمريكية في المنامة، ولدى السفارة ملف كامل عن النزاعات بينهما وفيه ما فيه من الشكاوى الكيدية المتكررة ضد زوجها، حتى استطاعت منعه من دخول أمريكا إلى أن أغراها بالمال لتطلب من السلطات الأمريكية رفع الحظر عنه، بعد أن فشل في تهريب أولاده بواسطة أحد رجال العصابات في أمريكا إلى الحدود الكندية، وبعد رفع الحظر عنه، عاد لأمريكا حيث أنصفته المحاكم الأمريكية وحصل على حضانة أطفاله، بعد سلسلة طويلة من المطاردات والمغامرات الشبيهة بأحداث أفلام هوليود، فالقارئ وهو يتابع أحداث هذه الرواية الحافلة بالتفاصيل، يشعر أنه يتابع أحداث واحد من تلك الأفلام، وقد أخبرني مؤلفها أن هناك من طلب تحويلها إلى فيلم بعد قراءته لنسختها الإنجليزية. إنها بالفعل معاناة أتمنى أن يطلع عليها المبتعثون للخارج، ليستفيدوا من هذه التجربة الإنسانية القاسية، التي ربما حدثت مع آخرين بشكل أو بآخر. إنها رواية تحمل أكثر من عبرة، لمن يريد أن يعتبر.