اليوم العالمي للأسرة
بدون أدنى شك تعتبر الأسرة هي اللبنة الأساسية لأي مجتمع.ولماذا نتحدث عنها في هذا المقال وفي هذا الوقت لأن يوم 15 من هذا الشهر (مايو) يوافق اليوم العالمي للأسرة.وقد قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة التذكير بأهميته والاحتفال به في كل سنة منذ عام 1993 ميلادي.ولا أظننا نحتاج إلى كثير من العناء لنؤكد على أن تماسك الأسرة هو تماسك للمجتمع، وأن تفككها يؤدي لا محالة إلى تأثير كبير وموجع في البنية الأساسية للمجتمعات.يقول عنها الكاتب القدير عباس محمود العقاد «لا أمة بلا أسرة، بل لا آدمية بلا أسرة».الأسرة هي خليط بين المحبة والانتماء، وبين الاحترام والتعاون، وأشياء أخرى متشابكة عاطفيا وجسديا ونفسيا.ونحن نهتم كثيرا بأسرنا من الناحية الاقتصادية والصحية والتعليمية وهذا أمر ممدوح ومطلوب، ولكن في المقابل ربما نتراخى في الناحية الاجتماعية والنفسية.ولعل من الأسباب المؤثرة في تلكما القضيتين (الاجتماعية والنفسية) الهيمنة القوية للعصر الإلكتروني والرقمي على الأطفال والمراهقين.وبالتحديد تُشكل تلك الأجهزة الإلكترونية الحديثة (الألعاب، الكمبيوترات لوحية وشخصية، الجوالات وغيرها) ندا قويا للروابط الأسرية.أضف إلى ذلك الانفجار الهائل في كمية التطبيقات لوسائل التواصل الاجتماعي حيث كادت تحل مكان الأبوين في الأسرة!. ففي السابق كان الأولاد (في لغة تشمل الذكور والإناث) يستمدون المعلومات والثقافة والأخلاق والأدب من الآباء والأمهات، وأما الآن فقد صارت المنافسة جدا شديدة وشرسة لهما من قبل العالم الرقمي والإلكتروني المتنامي بشكل مخيف.ومع ذلك كله لابد من التوسط في هذه القضية، فالمنع التام للأجهزة الإلكترونية والرقمية قد يولد ردة فعل قوية ينتج عنها اللهث وراءها بشدة على عكس المتوقع.والانفتاح بلا ضابط يدخلنا في متاهات لا نهاية لها منها آثار نفسية مثل العزلة، الانطواء، العنف، الكسل.ومنها آثار صحية مثل العصبية الزائدة، السمنة، ضعف النظر، قلة التركيز.وهناك أيضا آثار أخلاقية مثل تبني مبادئ خاطئة، قيم سلبية، عادات غربية ومخالفة للمجتمع، صداقات سيئة وغيرها.ولذلك تبرز أهمية البحث عن حلول عملية وبدائل للحفاظ على الترابط الأسري القوي، ومن ثم التخفيف من هيمنة تلك الأجهزة على حياة الأولاد.قد لا تكون الحلول صعبة علينا ولكن تحتاج إلى قليل من الاهتمام بأولوياتنا في الحياة مع إضافة قليل من الصبر إليها.من الحلول غرس مفهوم الهدف أو الرسالة أو الرؤية سمّها ما شئت المهم أن هناك هدفا يسعى وراءه الأولاد بشغف وحماس.ولعل من أبسط الأمور محاولة تكرار سؤال «ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟!»، لأن هذا السؤال يدل على الاهتمام، ويرسخ مفهوم الدور في الحياة، وهو أيضا يظهر لك ما يدور في خلدهم وبواطنهم من رؤى وأفكار.ومنها تحديد ساعات اللعب والاستخدام للأجهزة، ومحاولة الانخراط في أعمال أخرى جماعية في المنزل أو خارجه.وإعطاء بعض المهام الأسرية اليومية لهم، فالمسئولية دائما تصقل الشخصية، وتضيف تجارب لهم، حتى ولو كانت هذه المهام بسيطة لأن العبرة بالمضمون وليس بالشكل.ومنها إعطاء بدائل مثل توفير كتب للقراءة أو الرسم.مشاهدة برامج ثقافية واجتماعية.ممارسة رياضة جماعية، فهي مهمة للطرفين!. كذلك ممارسة النزهة الأسرية والجماعية.ومنها الحرص على حضور اللقاءات الأسرية الأسبوعية الدورية.ومن الحلول المهمة ترسيخ مفهوم أن الأسرة تعني «نحن» وليس «أنا» ! يقول الأديب أحمد أمين: «نحن» شاملة شمول الشمس، منعشة انعاش النسيم، سمحة سماح الكريم.ما أردت نقاشه هنا ليس فقط الأسباب والحلول والأفكار، فالمجال واسع ورحب ولن نعدم الوسيلة ما دامت هناك غاية.ولكن ما أردته فعلا هو تنبيه وتذكير نفسي أولا وأنتم ثانيا بأهمية وضع أولادنا في قائمة أولوياتنا الرئيسية، والارتقاء والاهتمام أكثر بالجانب النفسي المعنوي على المادي، لأنه أشد تأثيرا ووطأة ورسوخا.فرب جلسة أسرية تجمعنا وتسعدنا، خير من ألف جهاز يفرقنا فيحزننا!