الجزاء من جنس العمل
تتواتر الرسائل التي تأتي في واتس أب والتي تكون غثاء لا يحمل أي معنى أو أي هدف، والذي يتكرر من الكل لأكثر من مرة مما يصل بنا لحد الملل والتغاضي عن جميع الرسائل، والتي قد يكون لها هدف ولكن لا ننتبه لهذا الامر، لأنه من الصعوبة متابعة أكثر من 300 رسالة أو أكثر في مدة قياسية وإلا للزم الامر بنا ترك جميع الأعمال والتفرغ لهذه الرسائل، ناهيك عن مواقع التواصل الاخرى والتي تأخذ حيزا من الإنسان والبشر أكثر من المتوقع واصبحت تنافس التلفاز والقراءة بشكل كبير جدا. ولكن استرعتني قصة نُشرت في مجلة (الديلي ميل) البريطانية في سبتمبر من عام 2015 للكاتبة (صوفي جين) ولكم أعجبني المحتوى والذي إن طُبق لدينا هنا فمن المتوقع أن تنتهي مشاكل كثيرة جدا يحويها البلد وتحويها النفس وحتى من الممكن ان تكون ذات فائدة كبيرة في تربية الأبناء والحد من سلوكياتهم الخاطئة. والقصة كما يلي (قاضٍ يدعى (مايكل سكونتي) وعقوباته الغريبة تحت مبدأ (الجزاء من جنس العمل) حكم على شباب بزرع 70 شجرة بعد قطعهم اشجارا عامة وبيعها كحطب، وحكم على مراهق ضرب رجلا مسنا بأن يخدم في دار المسنين لمدة شهرين متكاملين والاشد غرابة حكمه على مراهق بالاختيار بين السجن 30 يوما أو بالمشي 30 ميلا لاستخدامه سيارة الأجرة لنفس المسافة من غير دفع الثمن.. وغير ذلك الكثير..) وهنا الواضح ان الجزاء كان من جنس العمل، لم يكن حبسا يقتل النفس ويجعلها تضمر الشر والاسترسال في السوء، ولم يكن جلدا أو تشهيرا يكسر النفس ويخذلها ويجعلها تمتلئ بالأمراض النفسية وبالكره الكامل للمجتمع وللعناصر التي اقتضت هذا الحكم، بل كان الجزاء والعقوبة من نفس العمل الذي وقع والذي غالبا ما يكون الفاعل كارها له ومن ثم رادعا للعودة إليه، فكان العمل عليه ولكن بصيغة إيجابية وليست سلبية، وكانت عملية التكرار مدعاة لترك الأمر، او عملية التذكر بالعودة لما يكرهه فكان الترك، أي فكر كان هذا والذي اقتضى عدم عودته للعمل الخاطئ وبطريقة صحيحة. لكن بادئ ذي بدء هل تعتقد أن أحدا من العالمين أكمل من رسول الله؟ وهل تعتقد أن أحدا من العالمين أحكم في تصرفاته من النبي صلى الله عليه وسلم؟ والذي قال عن نفسه: «إنما بُعثت معلما، إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».شاب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا نبي الله أتأذن لي في الزنا..» ما قولك؟ شاب يخاطب سيد الخلق، ويقول له: ائذن لي بالزنا، فصاح الناس به..، فقال عليه الصلاة والسلام: «قربوه، قربوه، ادن فدنا حتى جلس بين يديه».. هذا أكمل موقف، النبي الكريم قال له: ادن مني، قال: حتى جلس بين يديه، فقال عليه الصلاة والسلام: أتحبه لأمك، قال: لا، جعلني الله فداك، فقال عليه الصلاة السلام: وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك، قال: لا، جعلني الله فداك، قال عليه الصلاة والسلام: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم».. هل بعد هذا المنطق منطق؟ هل بعد هذه الحجة حجة؟ هل بعد هذا التلطف تلطف؟ هل بعد هذا الإقناع إقناع؟ هل بعد هذا الصدر الواسع صدر أوسع؟ هل بعد هذا الحلم النبوي حلم أشد؟.. قال: حتى ذكر العمة والخالة.. وهو يقول في كل واحدة: لا، جعلني الله فداك، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: كذلك الناس لا يحبونه.. ثم وضع النبي عليه الصلاة والسلام يده على صدره وقال: (اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه، وحصن فرجه، فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا) [أخرجه الإمام أحمد].. ولدينا الكثير من المعنفين في حياتهم، والذين ضغطوا على أبنائهم ولم يعلموهم فلما توفاهم الله عز وجل، انتكسوا نكسة عظيمة وضاعوا وأضاعوا، أما الآباء الذين علموا أبناءهم، وهذبوهم، وربوهم، هؤلاء بعد مماتهم كانوا كحياتهم من المفروض أن يكون هذا هو أسلوب التربية (التعليم وليس التعنيف.. التأديب وليس التأنيب.. الخيار وليس الإجبار) لأن هذه الأمور سترسخ في النفس ومن ثم ستستمر معهم طوال حياتك وبعد مماتك.هكذا نكون قد حققنا المعادلة الصحيحة في حياتنا كمسلمين وقبل ذلك، كبشر.