وسطية المواقف والحوار
ما أن تظهر في مجتمعنا مشكلة إلا وتتجه لها كل الأنظار، وتتنافس الأقلام علي مناقشتها، وتفسح لها الصحف مساحات كبيرة، وتقبل عليها وسائل التواصل الاجتماعي إقبال الظافر بالغنيمة..في موقفين متضادين عنيفين ليس بينهما وسط، ألسنا من قال فينا الشاعر لا فض فوه: (ونحن أناس لا توسط بيننا) مع أننا ندين بدين ينادي بالوسطية، حيث لا ضرر ولا ضرار، ولا تطاول على الناس، ولا إساءة للأفراد، ولا تتبع لأخطاء الناس، دون وجه حق فماذا يحدث إذا ظهرت في مجتمعنا أية مشكلة. غالبا نجد انقسام الناس إلى فريقين، لا توجد بينهما منطقة وسط يمكن أن يلتقيا فيها على الخير والمعروف والحوار بالتي هي أحسن، فهما إما مؤيد بشدة أو معارض بقسوة، وغالبا ما يستعمل الفريقان جميع الأسلحة المباحة وغير المباحة، كلٌ يريد إثبات وجهة نظره دون التفكير في احتمالات الصواب في الرأي الآخر، مع أن ما من رأي أو اجتهاد شخصي إلا ويقبل الصواب والخطأ، وأسوأ ما في الأمر هو الوقوع في محظور الشأن الشخصي من خلال شخصنة الأفكار، والتضييق عليها، واعتبار الخطأ ليس في الفكرة، ولكن في من يتبناها، حتى وإن ساق من الأدلة والبراهين ما يثبت وجهة نظره، فهو في كل الحالات على خطأ، وكثيرا ما ذهب أشخاص ضحايا لهذه المواقف المتشنجة، مع أن أمور الحياة لا تثبت على حال، والمتغيرات الاجتماعية لا تستقر على منوال، مع تبدل الظروف والملابسات الاجتماعية وغير الاجتماعية. نحن هنا لا نتحدث عن الثوابت الشرعية، ولكن نتحدث عن الجوانب الاجتهادية في كل أمور الحياة والناس، فهناك من يرفض أمورا ما كان لها أن ترفض، إذا نوقشت بشكل علمي وواقعي يعتمد على المعالجة البعيدة النظر، التي تستلهم الواقع في الاستعداد للمستقبل بروح لا تعرف الانعزال عما يدور في العالم، ومع ذلك فهناك من يقف سدا منيعا لرفضها بحجة (درء المفاسد)، وهو باب فتح على مصراعيه، فاختلط فيه الحابل بالنابل، واتخذ منه المتشددون ذريعة للوقوف في وجه الكثير من الأمور التي أثبتت جدواها في مجتمعات إسلامية أخرى، كما وجد فيه أصحاب الراي الآخر ذريعة للإثارة وادعاء احتكار الإصلاح، مع أن هذا الإصلاح هو مسئولية كل فرد ولا يحق لأحد الادعاء باحتكاره، وهذا الإصلاح له مسئولياته التي تحتم على الجميع التضافر وليس التنافر للعمل على تطور المجتمع، ومواجهة أمراضه وظواهره السلبية، مواجهة لا تعرف التطرف أو التسيب، بل هي الوسطية في الطرح والمعالجة، وترجيح حسن النية لدى الجميع، فليس في الأمر ما يدعو للخلاف، مهما بلغت درجة الاختلاف، بل إن الاختلاف مطلوب بعيدا عن الخلاف، للوصول إلى نقاط الالتقاء بين الطرفين، في حالة توفر المناخات والأدوات التي تتيح المشاركة في بناء المجتمع والوصول به إلى المستوى الذي يطمع إليه المواطن والمسئول في الوقت نفسه.والمجتمع ليس ساحة حرب بين المختلفين في الرأي، بل هو منبر حوار حر وبناء، يمكنه أن يستوعب كل الأفكار والآراء الهادفة لرقيه وتقدمه وازدهاره، وفق الشروط الواقعية لهذا الرقي والتقدم والازدهار. وكثيرة هي تلك الأمور العالقة بين رأي متشدد وموقف مضاد، وكأن كل مؤتمرات وندوات الحوار لم تثمر، وكان وعي المجتمع لم يصل بعد إلى فهم أهمية هذا الحوار وتأصيله في مجتمع يراد له التطور السريع، والمستقبل المزدهر.وأهم ما في الحوار أن يكون متكافئا وأمينا وصادقا، فهو الوسيلة الأجدى لتتضح الرؤى، ويزول غبش الظنون، وتقترب المسافات بين من يقفون على طرفي نقيض.