الكلمات السوداء «2-2»
ذلك القطيع من الكلمات السوداء التي وقف عليها موجعا المقال السابق راحت في هذه الأيام تلفظ أنفاسها الأخيرة، وحلت محلها في القاموس الاجتماعي كلمات أخرى كأنها اللؤلؤ منثورا، مثل: (الشارع/ الرأي العام/ الأغلبية/ المواطنون/ الجماهير)... الخ.لم يتغير ذلك القطيع من الكلمات السوداء إلى كلمات مضيئة من تلقاء نفسه، بل إنه شارف على الانقراض بفعل التغير الحضاري للمجتمع البشري حيث أصبحت الأكثرية التي توصف سابقا بالغوغاء ومثيرة الشغب، هي المقياس الحضاري لتقدم المجتمعات أو تأخرها.والتغير الحضاري لا يهب من شرفات التاريخ باعتباره زمنا متعاقبا، بل يهب من شرفات التاريخ باعتباره فعلا وكفاحا ووعيا صاعدا «بالوجود» وما يتطلبه هذا الوجود من جهد بشري ينقذه من أنياب التخلف.كان العلم «وهو المساوي قديما لحفظ المتون القديمة أو أنه شرح لها» حكرا على فئة من الناس جعلت منه وسيلة سهلة لقطف مصالحها وسوق غيرهم إلى حيث يريدون، ولأن غيرهم لم ينهل من هذا العلم فهو على استعداد لسماع تلك الفئة حتى لو أرادت منه إحراق نفسه.وكان الاقتصاد لا يقل احتكارا عن العلم فكانت موارد المجتمع، الظاهر منها والمضمر، كلها بيد قلة، أما الكثرة فهي تنظر إلى تلك الأبراج العالية كقدر محتوم.في زمننا هذا تغير حال العلم والاقتصاد معا، أصبح العلم ليس مشاعا وحسب، بل أصبح فعلا وابتكارا، كان أبناء «العامة» محرومين منه، أما الآن فهم قد صاروا «الأصبر والأغوص» كما قال أبوحيان.. على العلم.. وذهبت تلك الرهبة حتى التقديس التي ينظر بها الناس إلى من يسمى عالما، صار الأكثر نفعا هو الذي يشار إليه.. كذلك انحسر الاستسلام الذي يرى أن موارد الاقتصاد هي حق لمن استطاع الاستيلاء عليها.وهكذا استيقظنا نحن وغيرنا على مفاهيم جديدة فتحنا أعيننا على أن الإنسان له حقوق وأنه منذ ولادته على الأرض مساو لكل من ولد عليها.. ولهذا علينا أن نئد ما بقي من تلك الكلمات السوداء ونبدأ بتهجئة الكلمات الجديدة والمفاهيم التي تتكاثر كلما ازداد الأفق البشري ضوءا.