«التحلية» «5»: قدوم الخطر
إن المستجدات والظروف التي تمر بها المملكة.. وخطوة التحول الوطني؛ تستدعي المراجعة الشاملة، وتستدعي تقييم الواقع والرؤية المستقبلية.. إن استحضار التحديات والمخاطر ضرورة وطنية، الماء قبل أي تنمية، هذا هو المحور الذي يجب أن يكون أمام كل صاحب قرار، وكل مسئول تخطيط.. الماء قبل التنمية، الشعار الذي يجب أن يسود؛ ليصبح عقيدة.. الماء قبل التنمية، منهج وفلسفة بناء المستقبل لهذا الوطن وأجياله.إن الاعتماد على تحلية مياه البحر، كمصدر لتوفير الطلب على مياه الشرب، أهم ما ينبغي مراجعته.. سنوات مضت، من بداية خطة التنمية الثانية (1975)، تمثل تجاوزات بيئيّة؛ تسببت في هدر مالي، وضياع ماء ثمين، وبعثرة جهود.. إن استنزاف وإهدار ونضوب المياه الجوفية، سيظل العنوان الأهم والأخطر على الأجيال القادمة.أي منطق يجعلنا نترك المياه الجوفية للعبث، والجشع، والطمع، والتجارب، والاجتهادات؟!، ثم نفرض على المواطنين ثمن الماء الذي يشربون، ثم ندعي أن (التحلية) خيار إستراتيجي.. ثم أي منطق جعلنا نأخذ بالتنمية الزراعية الأفقية، خيار يتطلب موارد مياه سطحية غير متوفرة في المملكة؟!، ليس هذا فقط، لكنه خيار يحتاج إلى مصادر مالية غير محدودة، نحن بهذا فرطنا في الماء والمال، إلى متى؟!، ولصالح من؟!إن التنمية الزراعية الأفقية، في ظل انعدام المياه السطحية، مشروع ضياع، بل وعظيم النتائج السلبية، كانت عملا عشوائيا غير موفق، كان تجاهلا للعلم وأهله، كان كابوسا على المياه الجوفية، هل من أقرّ، واعتمد التنمية الأفقية، كان واعيا بحساسية وهشاشة البيئة، ودرجة تحمّلها؟!، هل كان يعي أبعاد المستقبل ومتطلبات البيئة والأجيال القادمة؟!، لماذا لم يأخذ بالتنمية الرأسية؟!، التي كانت سائدة كجزء من تراثنا المهاري الزراعي والمائي، كانت الأنسب والأفضل لبيئتنا الجافة، وستظل كذلك عمليا وعلميا. لماذا تم تغييب العلم ونظرياته وحقائقه وأيضا علماؤه؟!. لماذا تم تجاهل وحجب الجامعات؟!، لماذا تم تجاهل أصوات التحذير؟!. فكانت هذه النتائج الوخيمة على المياه الجوفية؟!، الأمر غريب مع التناقضات، لماذا ادعت الوزارات المعنية أن (التحلية) خيار إستراتيجي؟!، وأن المياه الجوفية غير كافية؟!، على ماذا كان اعتمادهم؟!، إذا كان الادعاء قائما على دراسات، فالواقع والنتائج تثبت أنها مغلوطة، هل تستدعي فتح ملفات المحاسبة؟!لم استطع فهم سوء التصرفات مع المياه الجوفية، لم استطع قبولها، لم استطع إخضاعها للنظريات العلمية، خاصة في ظل ظروفنا البيئية الجافة والقاحلة، وحتى منظمة (الفاو) شجعت جريمة استنزاف المياه الجوفية الجائر، لماذا لم تقدم المشورة الصحيحة؟!، لماذا لم تحذر بدلا من منح شهادات الإنجاز لوزارة الزراعة؟!، وأدعو إلى المراجعة الشاملة وبشكل عاجل وسريع. التحديات التي تواجه (التحلية) كثيرة، منها: التكلفة العالية، بجانب الحاجة المستمرة والمتزايدة لبناء مزيد من المحطات؛ لمواجهة الطلب المتفاقم، وهناك العمر الافتراضي للمحطات، الهاجس الأكثر قلقا، كنتيجة هل من الأفضل أو المصلحة ربط أمننا المائي بصناعة تحلية ماء البحر؟! كل ذلك يتطلب تغيير اتجاه البوصلة نحو المصادر الآمنة؛ لضمان استدامة تدفق الماء للشرب حتى للأجيال القادمة، نحن بحاجة إلى إدارة واعية، وفاعلة، ومدركة لخطورة شح الماء في بيئتنا. من المعطيات والمؤشرات، ومن تناقض تصرفات وزارة المياه، وأيضا من تفاقم الحماس بأن (التحلية) خيار إستراتيجي، ما يوحي بالتخبط، والقلق، والشك، في أمر (التحلية)، هذا ينقلني إلى طرح السؤال التالي رغم مرارته.. هل (التحلية) لصالح البلد ومستقبلها؟!،بلغ استهلاك المواطنين (3) مليارات متر مكعب سنويا، لا أعرف إن كان القارئ يعلم أن حوالي نصف مياه الشرب في المملكة يعتمد على المياه الجوفية، والنصف الآخر يأتي عن طريق التحلية، وقد أشرت إلى ذلك في مقالات سابقة، كنتيجة ذكرت في المقال السابق لهذا المقال، أنه لو خفضنا استهلاك الفرد من المياه إلى المستوى العالمي في حدود (150) لترا يوميا، فهذا يعني زوال الحاجة إلى مياه التحلية نهائيا، بمقدورنا فعل هذا، ولكن في إطار حل شامل.. ويستمر الحديث بعنوان آخر.