من غيّب القضية الفلسطينية عن الواجهة؟
الكل كان يحاول أن يمهر كل أعماله بما في ذلك وقف التنمية في بلاده بدعوى التفرغ للقضية الفلسطينية، الكل كان يربط ويضبط كل مواعيده بقضية فلسطين، الكل كان يزعم أنه يتنفس فلسطين ويعيش ويموت من أجل تحريرها.. هكذا كان المشهد في مسرح العبث الذي بناه المرابطون على تخوم القدس دون أن يطلقوا من أجلها رصاصة واحدة، ومع هذا كانت الأمة على أتم الاستعداد للتصديق بمهمة هؤلاء المتاجرين بالقضية، والمضي معهم قدما بانتظار تحرير لم تتبيّن خيوط فجره الأولى، فضلا عن أن تضيء شمسه، كان الجميع جاهزين لملء أسماعهم بأناشيد البكاء على الأرض السليبة، والتغني بالمجد القادم من خلف السراب، لكن كانت الميزة الوحيدة أن فلسطين كانت تقف كل مساء على رأس قائمة الأخبار. كانت إيران تبيع على أرصفة بعض البلدان العربية بضاعتها الوحيدة المزجاة تحت عنوان الذهاب لتحرير فلسطين، وكانت تتسلل إلى عواصم العرب وبلداتهم بذريعة أنها تسلك الطريق الصواب وصولا إلى الأقصى السليب، لم يتنبه أحد إلى أنها كانت تدق أوتادها هناك لتستقر، لا لتعبر إلى فلسطين، إلى أن دقت أسافين الخلاف بين رفقاء السلاح لتجعلنا أمام فلسطين الضفة، وفلسطين القطاع، وكان نصر الله يفعل الشيء ذاته، يتحرش من حين لآخر بالعدو الإسرائيلي لتضخيم نشوة الشعور بالمقاومة في صفوف الأمة المتعطشة إلى أي انتصار، حتى ولو كان بمذاق الوهم، كان يجرهم إلى بلده ليدكوا بنيته التحتية، ويهجروا مواطنيه كل مرة، وحين استفاقت الشعوب، وارتفع منسوب الشكوك بالمقاومة، كشرت تلك القوى عن أنيابها، واعتبرت إيران والحزب وكل غراسهم في أرض العرب، أن الطريق إلى القدس يلزم أن يمر عبر كل عاصمة عربية من بغداد إلى دمشق وبيروت والمنامة وصنعاء، وربما حتى نواكشوط في أقصى الغرب العربي لو تسنى لهم ذلك، لتدخل هذه القوى التي طالما زايدت على قضية فلسطين في صراع مباشر ودامٍٍ مع الأمة، ولتنحرف بندقية المقاوم الإيراني ووكيله في دمشق والضاحية، إلى غايتها الحقيقية بعدما سقط القناع لتتجه إلى نحور العرب، تماما كما انحرفت بندقية نصر الله من بوابة فاطمة إلى دمشق وحماه وحلب، ولتتراجع القضية الفلسطينية إلى ذيل الاهتمام اليومي بفضل من صدّع رؤوس الأمة بأنه هو رأس الرمح في حرب فك أسرها من الاحتلال، وليقدم المنافقون الجدد بالدليل القاطع أنهم ألدّ أعداء القضية الفلسطينية، وسدنة رعاية مصالح العدو، والساهرين على خدمة القوميات الغازية، إلى الحد الذي سمح لإسرائيل أن تمارس كل البشاعات، بما في ذلك أحكام القتل ضد الفلسطينيين خارج القضاء، لأن فيلق النفاق نجح في اشغال واشعال الأمة بهموم جديدة، فما عادت فلسطين إلا في ضمائر الشرفاء الذين وحدتْ المملكة صفهم من جديد في قائمة التحالف الإسلامي الذي يسعى لاسترداد القضية من مغتصبيها من الطرفين، من عبث إيران ووكلائها في المنطقة، ومن المحتل الغاصب الذي يسرح ويمرح ببركات المضللين.