أسرار البيوت!
أذكر منذ زمن عندما كنا صغارا كان من العيب أن تسأل وتنقب ماذا حدث في بيت فلان. وكان أهلنا يرددون كثيرا على مسامعنا كلمة «عيب البيوت أسرار» . ولكننا حاليا ومع الطفرة الهائلة في وسائل التواصل الاجتماعي يبدو أن الوضع قد تغير وبشكل كبير جدا.لقد أصبحت البيوت وأهلها هم الذي يخرجون أسرارهم طواعية لا كرها وليس فقط للجيران أو الحارة التي هم يسكنون فيها، بل للعالم أجمع! من كثرة المشاركات بالصور والفيديوهات! لأن وسائل التكنولوجيا الحديثة والبرامج التطبيقية سهلت ذلك الانتشار. وأصبحنا نقول اليوم: قليلا من الخصوصية يا أهل البيوت بدلا عن «البيوت أسرار».وحتى أبين لكم قوة هذه الظاهرة وتناميها بسرعة في مجتمعنا، فحسب موقع (we are social) بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت مع بداية عام 2016 في السعودية 64%، وعدد ساعات الاستخدام اليومي بلغ 4 ساعات. وأما عدد الساعات التي نقضيها على وسائل التواصل الاجتماعي، فهو 3 ساعات بمعني أن نسبة 75% من أوقاتنا على الانترنت هي سوالف وأحاديث مختلفة، وتناقل لمعلومات وصور وفيديوهات وغيرها. وأما على المستوى العالمي، فبعض الدراسات تشير إلى أن هناك 400 مليون مدمن!! على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ولا شك أن العدد سيزداد سنويا.وهذه الظاهرة المتنامية بشكل مذهل وسريع تحتاج إلى دراسات عميقة من قبل المتخصصين في العلوم الاجتماعية والنفسية. ولكن دعونا نناقش بعضا من النقاط التي تحتاج منا إلى وعي واهتمام أكثر.منها مراعاة المسألة الأمنية للبيوت، فالمتابع لبعض الحسابات سوف يرى بعض ما يقع فيها من أحداث، ومتى يدخلون ويخرجون للتسوق، بل وماذا يأكلون! أضف إلى ذلك أن الخطر الأمني قد يمتد إلى الأطفال والمراهقين حيث يسهل استدراجهم من خلال تحليل أنماط شخصياتهم ومعرفة مواطن القوة والضعف لكثرة رسائلهم وصورهم وتعليقاتهم. مما يؤدي إلى تسهيل عمليات وقوع جرائم أو اختطاف -لا سمح الله-.ومنها أيضا أننا قد نفتح على أنفسنا أبوابا من التشهير والرمي بالكلام الجارح أو البذيء. وكم رأينا مؤخرا ممن يعمم الأحكام ويصنف الآخرين من صورة أو مشهد رآه. بل وقد يصل الأمر للأسف إلى حد الشتم والسب والقذف!. وربما السبب وراء ذلك أن البعض أراد مشاركة الآخرين بعض المقاطع الخاصة من باب التسلية!ومنها أن القضايا التي تقع في البيوت الأصل فيها الخصوصية وليس الاستعراض بها!. بل إن النهي عن التلصص أو التجسس على الناس هو الأصل لا أن نعرضه للعالم بمحض إرادتنا. وقد اطلع رجل من جحر في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه عليه الصلاة والسلام مدرى (شبيه المشط) يحك به رأسه فقال: «لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر». وطرق وأساليب الاستئذان مفصلة وبدقة شديدة في ديننا الحنيف وذلك يدل على أهمية خصوصية البيوت.ومنها ما قد ينشأ من التفاخر على الآخرين بالنعم، والذي يفتح بابا واسعا للحسد والبغضاء بسبب التفاوت في المستوى المالي والاقتصادي بين فئات المجتمع، بل قد ينكأ جراح بعض الأسر غير المقتدرة!!.ومن الأمور التي أخشى أن نفقد روحها وجمالها مع كثرة المعروض والمشاهدات هو الحياء. تلك الصفة الرائعة التي لا زالت- ولله الحمد- هي السمة العامة موجودة في مجتمعنا على مستوى الأقوال والأفعال. وقد جاء في الحديث الشريف «الحياء لا يأتي إلا بخير».من وجهة نظري المتواضعة أن وسائل التواصل الاجتماعي هي وسيلة فعالة للمعرفة والفائدة ولا يمنع أن يخالطها شيء من المرح والفرح بين الحين والآخر وبحدود المعقول والمقبول، ولكن أن تصبح حياتنا ومأكلنا ومشربنا وبيوتنا معروضة لكل من هب ودب كأنها تلفزيون الواقع أو كحياة المشاهير، فتلك معضلة تحتاج إلى حل!!