د. مبارك الخالدي

صبي يوقف المواجهة بين الروس والأمريكان

كان التوتر قد بلغ ذروته بتهديد القبطان الروسي بقصف القرية إن لم يطلق أهلها سراح رجاله السبعة المحتجزين. وبينما القبطان ورئيس الشرطة الأمريكي ماتوكس يحدق أحدهما إلى الآخر بغضب، ينزلق الصبي (جوني ويتكر) من برج الكنيسة، فينشب ويظل متدلياً في الهواء. على الفور، يشكل الطرفان الروسي والأمريكي هرماً بشرياً، وينقذ الروسي كولتشن (العاشق النبيل) الصبي. فيهبط السلام والانسجام على الطرفين، ويقرران أن تغادر الغواصة المرفأ يرافقها القرويون في أسطول صغير من القوارب. هذا ملخص كبسولي للمشاهد الأخيرة من الفيلم (الروس قادمون، الروس قادمون، 1966) للمخرج نورمان جويسون، كنت استعرت نصف عنوانه عنواناً لمقالتي «الروس قادمون على ظهر الأميرال» الأسبوع الماضي. (الروس قادمون) فيلم كوميدي تقع أحداثه في مناخ الحرب الباردة المشبع بالتوتر والمخاوف والارتياب، ويسرد قصة جنوح الغواصة الروسية (اخطبوط) وارتطامها بحاجز رملي بالقرب من «غلوشستر»، الجزيرة المتخيلة قبالة ساحل كيب آن، ماساشوسيتس. وتفاديا لانفضاح اقتراب غواصته من السواحل الامريكية قام بالاتصال لطلب المساعدة، يقرر قبطان الغواصة سرقة قارب ذي محرك لتخليصها وسحبها بعيداً عن الجزيرة التي يقيم عليها عدد غير قليل من المصطافين. يرسل القبطان تسعة من رجاله مسلحين بقيادة الضابط السياسي يوري روزانوف وتصل المجموعة إلى بيت المصطاف والت ويتكر، الكاتب المسرحي من نيويورك، ويكشف ابنه حقيقة أنهم روس مسلحون، وليسوا نرويجيين كما يدّعون. ينتشر خبر قدوم الروس في القرية بسرعة، فتسود الفوضى والاضطراب والتوتر، وتتصاعد الأحداث الى المواجهة بين الروس والقرويين وقوة الميليشيا المحلية، والتي انتهت بإنقاذ الصبي. لقد شهد العالم مواقف حرجة وأزمات مشابهة حقيقية لما يحدث كوميدياً في العالم المتخيل في الفيلم، أشهرها «ازمة الصواريخ الكوبيّة» في العام 1962م، وآخرها ما شهدته في الآونة الأخيرة المنطقة العربية التي تخيم عليها أجواء الحرب الباردة الثانية، وتتوزع لميادين وجبهات لأكثر من حرب بالوكالة.أثار التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا جواً قاتماً من التوتر والمخاوف من اندلاع حرب كونية ثالثة خصوصاً بعد تسارع تطورات الاحداث على حدود تركيا، وإسقاط الأخيرة الطائرة الروسية، ما أثار التساؤلات والتخمينات حول الطريقة التي سيتعامل بها «الناتو» مع هذا الحدث الخطير وتداعياته، وعمّا اذا كان سيهب الى الدفاع عن تركيا ضد روسيا وحلفائها، ما يعني في النهاية إسقاط المنطقة في هاوية حرب كونية ثالثة. لكن الحرب لم تقع؛ نظراً لأن الدبلوماسية الروسية المدعومة بالقوة العسكرية حققت نجاحاً لا يمكن إنكاره، تجلى في التوافق والتنسيق غير المسبوقين بين روسيا والولايات المتحدة على أولوية (إنقاذ) المنطقة والعالم من الإرهاب بمحاربة داعش والنصرة وفروعهما، التمسك بخيار التسوية السلمية للأزمة السورية مع التغاضي عن شرط رحيل بشار الأسد؛ العمل على تحقيق هدنة بين النظام وحلفائه والمعارضة السورية المعتدلة؛ تمهيداً لاستئناف المفاوضات بانعقاد جنيف 3. وعاد الجزء الأكبر من القوات الروسية إلى قواعده ومخابئه في روسيا، وتوارى شبح الحرب الكونية الثالثة، بيد أنه من التضليل القول بتواريه إلى الابد، مثلما توارى شبح المواجهة بين الامريكان والروس بمجرد رحيل الغواصة (اخطبوط).