محمد العلي

الأفكار والبيئة

من الواضح لنا جميعا أن الافكار ليست طيورا فضائية تجعل من الأفراد أو الجماعات أوكارا لها، كلا.. إنها نبت اجتماعي مرتبط بالواقع أي بالبيئة الطبيعية والانسانية وبظروفه الجغرافية والتاريخية والاقتصادية وبمستوى نمو المعرفة وطريقة الاجابة عن الاسئلة.إن مجتمعا يعيش في ربيع تجري به الانهار بعيدا عن القلق والحاجة ويجيب عن اسئلة الحياة بحرية تختلف افكاره عن مجتمع آخر يعيش في خوف دائم من بخل الطبيعة ومن شح الفكر الجماعي ومن الرعب من الاسئلة.من هنا تختلف العصور وتتباين المجتمعات وتتقدم الحياة أو تتقهقر وقد يكون ضرب المثل هنا ضروريا.حين نسمع قول المتنبي:انما تنفع المقالة في المرءاذا صادفت هوى في الفؤادنجد أن كثيرا من الكتاب يستشهدون به دليلا على أن الفرد لا يستقر في قلبه إلا ما صادف هوى في نفسه.. في حين أنه يعبر عن مرحلة «شفوية» لفظت أنفاسها في المجتمعات المتقدمة الحديثة. أما بقاؤها حتى الآن في بعض المجتمعات فهو دليل على تخلفها المجدب.الفرق بين فرد «سمعي» قديم وفرد «تأملي» حديث هو أن الاول لا يسمع الا ما يود سماعه ولا يستقر في داخله سوى ما صادف هوى في نفسه.. أما الثاني فهو الذي يعيش عاشقا للتجاوز يود سماع ما يغيره.. وقد قال أحد الفلاسفة الكبار: «الثقافة هي أن يعارض الفرد ذاته».معارضة الفرد ذاته أن يكون عدوا لذاكرته يضع غربالا على سمعه وإلا أصبح مجرد مجتر أصبح حاملا لذات غير ذاته أي أصبح مقلدا أو فردا من القطيع.معارضة الفرد او المجتمع لذاته لم تعد ترفا.. انها اصبحت ضرورة في حاضرنا الراهن الذي ينادي بأن نتغير.. أن نحمل المصابيح التي حملتها المجتمعات التي تعيش شبابها الدائم.. غير ان هذا ليس سهلا.. انه يتطلب رؤية متوهجة وطاقة عالية وإرادة لا يرهبها «صعود الجبال».يقول لنا أحد الشعراء:«الطريق الى السهل هذا الجبل».