«رخم» الميديا.. «سلم لي» على الستلايت..!
منذ حكاية الاكتشاف التاريخي الخطير لـ «الدورة الشهرية» للمدعوة أسيل عمران، وتسليط قنوات أقمار صناعية، بكل تكلفتها العالية، لرصد هذا الاكتشاف و«تأريخه» لحظة بلحظة ونفساً بنفس وآهة بآهة، وقبل الاكتشاف بقليل وبعد الاكتشاف بكثير، عرفت وآمنت، مذاك وصاعداً، أن عالم الميديا «يغير جلده» وألوانه ويتحول من الجدية والمسئوليات إلى «الميوعة» وأن أي «هذيان» سيحظى باهتمام وقيمة في وسائل الإعلام العربية على تنوع مستوياتها ومقاماتها.وكان ذلك عينة من «أعراض» الوباءات المتنوعة التي تعتري وتتلبس الإعلام العربي حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.وشهدنا مذيعات «يتربعن» في الاستوديوهات، ويتبجحن بمواهبهن الاحترافية، فيما هن لسن أكثر من «أيقونات» أصباغ لماعة وقطع بلاستيك، يفضل دائماً، أن تكون صامتة، كي يحتفظن بجمالهن وهيبتهن، وكي لا تحين ساعة يمد فيها المشاهدون أرجلهم..!وشهدنا مذيعين ومقدمي برامج ضلوا طريقهم، أي والله ضلوا طريقهم، إلى الاستوديوهات فيما كانوا، في الأصل، يفترض أن يقصدوا مخابز أو مصاهر «شاورما» أو ورش توضيب عوادم السيارات القديمة.وتتنوع البرامج المدرة للأسى و«المغوص» بأنواعها الذهنية والذوقية وحتى البطنية. إذ بعض البرامج تربي الأجيال الصاعدة على القسوة والخشونة. وأخرى لا ينتهي النظار من مشاهدتها إلا وهم يؤمنون أن هذه الدنيا فانية ولا تستحق الحياة فتتلبسهم فكرة الانتحار الجماعي، ولا تنقذهم إلا مشيئة الله.وبعض البرامج تربي المشاهدين على أن الحياة «يا آكل يا مأكول» و«يا قاتل يا مقتول» وتحثه، دائماً، على أن يكون «عبدالله القاتل»، بعكس ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.وشاهدنا برامج من أشد أخطارها السريعة المفعول، أنها تنشر السطحية، بسرعة وبيسر وعلى نطاق واسع، ويمكنها، في خمس حلقات، أن تفرغ مخيخات الأنام من أي قيم فكرية وتملأها بغازات «الهيليوم». وبرامج أخرى أقل خطورة لكنها «مائية» لا لون لها ولا طعم ولا رائحة ولا تأثير سوى «سلق» الوقت وجعل، الساعات الثمينة من العمر القصير الأمد، يباباً وهباء منثوراً.كيف يمكن أن يتمتع الإعلام العربي بأي احترافية وأحد أساطينه، مقدم برامج شهير تضرب له الدفوف، دعا يوماً مشاهديه إلى الامساك بمشاهدين آخرين وسحلهم في الشوارع..!. ولا يزال يتربع على عرشه وتدمى الكفوف العربية له تصفيقاً وتبجيلاً..!.ومقدم برنامج آخر، ينفث سمومه الشخصية جداً السطحية كثيراً، ويترع بغثاء السيول ويجد من يشجعه ويموله ويفتح له أبواب الفضاء، ومن يدعو بالسداد والنصر المؤزر على أعداء وهميين.وكيف يمكن أن نأمل بإعلام عربي محترف ومقدمة برامج تملأ الدنيا ضجيجاً، تقدم «وصلات» سطحية وهابطة من السخرة بطريقة يترفع عنها صبيان الحارات..؟.. ولا تزال تتوج بالتأييد والدعاء و«التمكين» والمطالبة بالمزيد..!شهدنا.. وشهدنا.. حتى تكاد تختفي الإضاءات الاحترافية الحالمة وتختنق بالغثاء، في زوايا الإعلام العربي وفي قنوات محدودة تعد على الأصابع. وربما يقضي الزمن عليها بحكم انقراض سريع، حتى يخلو الجو تماماً لـ«الغربان» و«الرخم» التي تمتص أعين المشاهدين وأذواقهم وحتى أعمارهم. و«سلم لي على الستلايت» و«تحية» لنبيل العربي ناظر «الجامعة» ومنومها.وترهذه البهية..لا تهجر حلمها..إذ يكتب التاريخ بالمماحي..والمجد والجوائز.وإذ تبجل ليالي السهد الطوال..والمدي..والخنجر المسموم..ومشاريع الجنائز.