عبدالله الغنام

الإسراع في الأحكام في وسائل الإعلام!

كثير منا يقرأ الأخبار التي تبثها وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، والبعض الآخر يفضل المتابعة عن طريق مشاهدة مقاطع الفيديو التي تتناقلها تلك الوسائل، خصوصا إذا كانت في الشأن المحلي.وقد تشمل تلك الأخبار والمشاهدات قضايا شخصية أو مؤسسية عامة وخاصة. وهي تتباين في المحتوى ما بين نزاعات وعنف وشكاوى وقضايا أخلاقية شخصية وغيرها. ما يهمنا هو توضيح عدة مسائل في هذا التسابق العجيب والسريع في نقل الأخبار، منها عدم التسرع في إطلاق الأحكام المسبقة من خلال خبر أو صورة أو مشهد فيديو قصير، ودلالة ذلك التسرع هي تلك الهاشتاقات والتعليقات الفورية التي قد تخدع المتلقي ظنا، وتوحي إليه أنهم قد عرفوا الحقيقة كاملة بجميع ملابسات القضية، وأصبحوا بعد ذلك يقررون من هو الجاني والمجني عليه، ويصدرون الأحكام كأنهم قضاة! وكأن بحوزتهم كل الأدلة والبراهين والأرقام والشواهد، بل أصبح كل واحد من هؤلاء كأنه المحقق البريطاني شرلوك هولمز!.وإن عتبي يزداد أكثر على بعض الكتّاب والإعلاميين خصوصا الذي يتسرعون في إطلاق التغريدات والأحكام عبر وسائل التواصل الاجتماعي. تلك التصريحات تنفجر فور ورود الأخبار والمشاهد دون الإلمام الكامل بجوانب المسألة. إن هؤلاء عليهم أمانة وحمل أكبر بسبب أن لديهم متابعين، وآراؤهم محل اهتمام من قبل عامة الناس. ولعل البعض منا يعلم تلك القصة الطريفة التي تقول: إنه إذا أتاك أحد المتخاصمين يشتكي وعينه قد فُقئت، فلا تعجل في القضاء، فقد يكون خصمه قد فقئت عيناه!!.وودت أن أقترح لنفسي أولا ثم لكم بعضا من المقترحات، منها أن نتوقف ونفكر لمدة عشر ثوان فقط! ويسأل الواحد منا نفسه لو كنت أنا الذي في ذلك الخبر أو المشهد، هل كنت سأرضى بأن يصورني أحدهم وأن ينقله عبر وسائل الإعلام؟! هل سأرضى أن تنقل صورتي من حادثة سيارة وأنا أنزف وأتألم؟! هل كنت سأرضى أن تنقل صورتي وأنا في حالة ضعف أو مشهد مريب أخلاقيا أو اجتماعيا؟! وهذا ما يسمى بالقاعدة الذهبية (ارضَ لغيرك ما ترضاه لنفسك).أما بالنسبة لنقل الرسائل والأخبار النصية، فالسؤال البسيط هو ما الذي سيستفيده الشخص المتلقي؟ هل هي طرفة جميلة لتسعده أو خبر يهمه أو فائدة عامة؟ وكل هذه الأسئلة لا تأخذ منا غير ثوان معدودة، ولكنها تجنبنا ربما أخطاء فادحة أو مساوئ وددنا فيها لو تريثنا قليلا قبل ضغط زر الإرسال! ويصدق في هذا الجانب المثل القائل: في التأني السلامة وفي العجلة الندامة.أضف إلى ذلك أن مجتمعنا - ولله الحمد - يغلب عليه طابع النخوة والشهامة والمروءة، وينأي بنفسه عن نقل الفضائح والإشاعات والمشاهد التي فيها مواقف محرجة أخلاقيا أو اجتماعيا وغيرها. أضف إلى ذلك أنه من الستر الممدوح دينيا واجتماعيا.ولعلي أعرج على نقطة مهمة، وهي أن في نقل تلك الصور أو المشاهد ربما نوع من الشماتة ما بين تعيير أو تشهير، وهو ما لا يليق بنا. وقد ورد في الأثر: "البلاء موكل بالقول، فلو أن رجلا عير رجلا برضاع كلبة لرضعها!". وذُكر عن ابن القيم - رحمه الله- أنه قال: "من ضحك من الناس ضُحك منه، ومن عيّر أخاه بعمل ابتلي به". فباب الشماتة ممقوت دينيا وعرفا وعقلا، سواء على مستوى الأشخاص أو الجماعات أو حتى مستوى المؤسسات.ومن الأمور التي أحب أن اختم بها المقال وأذكر بها نفسي وإياكم، أننا لسنا مُجبرين على نقل الأخبار والمشاهد!! وإن كان ولابد، فإنه ليس المهم نقل الخبر أولا، بل المهم نقل الخبر الصحيح المفيد للوطن والمجتمع أولا.​