د. فالح العجمي

الإمارات غير وغير

هل اكتملت العدة لإصابة الناس الذي يحسدون الإماراتيين، وخاصة إمارة دبي بانفتاحها وتميزها في المنطقة العربية، وربما في الشرق بكامله، بمزيد من الكمد؛ بعد أن أعلن الشيخ محمد بن راشد رئيس الوزراء الإماراتي حاكم دبي عن الوصفة الجديدة لحكومته بتقليص الوزارات، وتكليف وزراء دون وزارات؟ التجديد سمة هذه الإمارة الطموحة، ومعها الإمارات الأخرى الفتية، والطموح لهذا الرجل لا يحده حدود. فلو لم يجد إلا نفسه يتحداه، لقام بذلك دون تردد، وهو يعرف أن الرضا بما تحقق يجعل المستقبل أقل إشراقاً؛ فالمنافسة العالمية لا تتوقف في أي شأن من شؤون المجتمعات. فالتاريخ يثبت أن الأحلام ليس لها حدود، وعندما يتوقف الحلم عند الواقع، يصاب المجتمع المستكين بالارتكاس؛ فيتقهقر في مضمار المنافسة؛ لأن الآخرين لن يتوقفوا لمجاملة الراضي بوضعه، والمطبل لإيجابياته. فعندما أعلن الشيخ محمد بن راشد عن إنشاء وزارات غير خدمية، ونقل عدد من مهمات الوزارات الحكومية إلى القطاع الخاص، استغرب كثير من الناس، خاصة في المجتمعات التي ترغب في وجود بعض ما لدى الإماراتيين في بلدانها. أما بعد أن سمعوا بأنه يريد تكليف وزيرين؛ أحدهما للسعادة، والآخر للتسامح، في التشكيل الجديد الذي يزمع القيام بتأليفه قريباً، صُدم الناس غبطة للإماراتيين؛ لأن أغلب العرب في العصر الحاضر يظنون أن هذا الشعب هو أسعد الشعوب العربية، وأكثرها تسامحاً أيضاً. لكن لو لم يكن هذا الرجل وإدارته يسابقون الزمن، لما وصلت تلك الإمارة إلى مصاف دول تفوقها في العراقة والموارد وهبات الطبيعة. يا تُرى ما سرّ وصفة هذه الإدارة الناجحة، وصناعة النموذج الناجح من عناصر بسيطة يمكن لها أن توجد في كثير من الأماكن والبلدان؟ لا أظنني أجدر من غيري بمعرفة تلك الوصفة، لكني أظنها تتمثل في أربعة عناصر أبدعت فيها الأسرة الحاكمة في دبي منذ أكثر من ثلاثة عقود، هي.. أولاً: الإرادة الصلبة لاتباع الطريق المؤدي إلى التنمية دون الالتفات إلى المرجفين وأصحاب الأيديولوجيا الذين هدموا أوطاناً، وجعلوا أخرى ترزح تحت وطأتها في تقلب غير مريح في اتجاهات متعددة؛ ثانياً: الشفافية غير المشوبة بمعوقات أو رواسب تشوش الرؤية، مثلما وضحها في كتابه الذائع الصيت "رؤيتي"؛ ثالثاً: قلة نسبة الفساد في نموذج يندر وجوده في العالم الثالث، مما جعل الناس تخلص في العمل؛ لأنها لا ترى حالات عدم التوازن المرافقة لانتشار حالات الفساد في أي بلد؛ رابعاً: سرعة اتخاذ القرار، عندما يتبين لإدارته ضرورة تغيير الموقف، وعلاج أي مشكلة طارئة، وفقاً لنماذج مجرّبة في كثير من بلدان العالم المتقدم. إمارة دبي -وربما الإمارات العربية المتحدة بكاملها- بحاجة إلى إقبال المستثمرين على اقتصادها في مجالات عدة؛ من التجارة والسياحة والاستثمار العقاري والصناعي، وكذلك الشراكات الطويلة المدى، وتبادل الخبرات، وسوق المعارض وتنظيم المؤتمرات. وهذه المجالات لا يُقبل عليها المستثمرون إلا إذا وثقوا في مصداقية البلد من خلال تلك العناصر الأربعة المذكورة أعلاه، إضافة إلى مواكبة ذلك كله بتشريعات تحمي الأشخاص العاديين والاعتباريين، وتصون استثماراتهم؛ وهو ما حرصت حكومة دبي على توفيره طيلة العقود الماضية، وتطويره خلال السنوات القليلة الفائتة. ولا نقول إلا كما قال ثعلب السياسة الديمقراطي بيل كلينتون سنة 1992م لمنافسه الجمهوري جورج بوش الأب، الذي خسر الرهان أمام كلينتون، لأنه اطمأن إلى تاريخه العسكري، ونجاحه الباهر في حشد الحلفاء والتنفيذ الدقيق لأهداف حرب الخليج الأولى. فقد صفعه بالمقولة المعبرة عن ذكاء كلينتون في رؤيته للاقتصاد الأمريكي: "إنه الاقتصاد يا غبي"!