حسن السبع

الصورةُ باهتةٌ في المرايا الأخرى

غالبا ما تكون الصورة النمطية مجحفة، فهي تحكم على مجتمع بمكوناته المختلفة من خلال تفكير أو سلوك شريحة اجتماعية محدودة، ومن المتعذر مسحها من ذاكرة الآخر بسهولة. لكن بعض الصور النمطية موجودة حتى ضمن الحيّز الجغرافي الواحد. وسواء كانت الصورة إيجابية أم سلبية فهي لا تعبر عن الواقع بتجرد وموضوعية (ثنائية المدح والقدح) وكأنَّ الناسَ من هذه البيئة الثقافية أو تلك نسخةٌ واحدة. وخلال العقود الثلاثة الماضية استطاعت جماعات التطرف والانغلاق ترسيخ نموذجها كصورة نمطية سلبية عن الثقافة التي ينتمون إليها. وقد اتصف ذلك النموذج الذي ساهم في رسم تلك الصورة السلبية لدى الآخر بعدم القدرة على الاندماج في المجتمعات المدنية التي لجأ إليها وحمل جنسيتها. كما حاول تأكيد هويته الخاصة للتميز عن أفراد الثقافة الأخرى فاختُزِلت الهوية لتصبح مجرد مظهر سطحي خارجي (هيئة وهندام) دون عمق فكري. ولم يكن التقوقع والانكفاء على الذات خارج الحدود الجغرافية والثقافية وحسب، بل ضمن الثقافة الواحدة أيضا، وإنْ كانوا في بلدانهم أعلى صوتا، وأكثر وصاية على الآخرين، وإعاقة لبعض المشاريع التنموية. ومن مثالب تلك الصورة تعطيل التفكير العقلاني والإنساني والتأكيد على الحقائق الفردية الخاصة، وتجاهل القيم العالمية المشتركة، وانقطاع الصلة بالواقع، حيث الواقع المحيط في واد وتفكير الفرد في واد آخر. وذلك شكل من أشكال الفصام يصاحبه انخفاض في مستوى المشاركة الاجتماعية والثقافية.ومع أن هذا النموذج لا يمثل إلا نفسه والمتعاطفين معه، إلا أنه استطاع تكوين صورة نمطية لكل شركائه في اللغة والجغرافيا؛ يتحملون تبعات قناعاته وما يتمخض عنها من سلوك انعزالي وعدائي تجاه الآخرين. سوف ينظر موظف الجوازات أو الجمارك أو أمن المطار في أي بلد غربي إليك بريبة، ويعتبرك مذنبا حتى تثبت براءتك. فماذا يمكنك أن تقول؟ هل يمكنك أن تقنعه بقولك: "الملامحُ، يا من يحدِّق في وجهيَ، الآن، بوصلةٌ كاذبةٌ/ والملابسُ مثل الملامحِ، مثلُ العناوين ليست سوى عدَّةٍ للتنكرِ في حفلةٍ باردةْ/ لغتي وحدها الطريق إلى الضوءِ/ فاصغِ إليّ قليلاً لتختصرَ الليلَ/ تجتاز حزنَ المسافةِ بيني وبينكَ/ تستعمر القلب في لحظة واعدةْ" (نص لكاتب هذا المقال من ديوان: بوصلة للحب والدهشة).أما حين يتعامل معك الآخر فيجدك مختلفاً عن تلك الصورة النمطية التي تختزنها ذاكرته، فسوف تصبح مصدرَ دهشة وباعثاً على التعجب وربما الإعجاب. لكنك ستكون، من وجهة نظره، الاستثناء وليس القاعدة. بعض سمات تلك الصورة صحيحة، غير أن تعميمها مجحف. لكن، أليست تلك الصورة نتاج تراكمات تربوية وثقافية واجتماعية أخرى ينبغي الاعتراف بها ولو من قبيل النقد الذاتي؟ في هذا السياق يمكن اقتباس أسئلة طرحها إدوار سعيد في مقال له تحت عنوان (في التمنّعِ والتعجّبِ والتعرّف) ومنها: لماذا تفْلِتُ منا مظاهرُ المدنية باستثناء ما كان مبتذلا؟ (في إشارة إلى انتشار ثقافة الاستهلاك). ولماذا لا نفهم معنى النظام أو الكفاءة أو التقدم أو التخطيط أو العلم أو الاشراق الحضاري؟ وهل هنالك ما يحركنا غير أمواج الحماسة العابرة؟.إن الانشغال بالدفاع عن الصورة وتلميعها خشية تهمة (جلد الذات) هو خداع للنفس. وقد كان هذا النهج، وما زال، أحد أسباب بقاء المشاكل معلَّقة. يضاف إلى ذلك أمواج الحماسة المؤقتة التي تتدفق بحثا عن مخرج، لكنها سرعان ما تنحسر ويطويها النسيان، ثم يعيد التاريخ نفسه.