نحن والصين وإيران
ما ان خرجت من مقهى في الدمام، حتى تبعني شاب ليسأل بأدبٍ جم مستوضحاً حول حديثي في برنامج ياهلا الذي تبثه «روتانا خليجية» حول تأثير رفع الحظر عن إيران. وبينت للشاب أن التأثير سيكون داخلياً أو لا يكون؛ والسبب أن على إيران معالجة البطالة (11بالمائة) والتي تصل بين الشباب إلى (25بالمائة)، ومعدل التضخم (10 بالمائة)، ومناخ الاستثمار ومؤشر سهولة الأعمال، والذي يقارن بين جاذبية الدول، وحتى توظيف ما ستتلقاه من أموال محتجزة؛ التي تقدر بنحو 150 مليار دولار، فطبقاً لتقارير أمريكية فما سيتبقى لإيران بعد دفع ما عليها من التزامات هو 56 مليار دولار، وهو ليس مبلغاً زهيداً، لكن إيران بحاجة -وكذلك وفقاً لتقارير نفطية- لقرابة 100 مليار دولار للاستثمار في ترقية مرافقها النفطية، إن أرادت انتاج وتصدير المزيد من النفط. والأمر الآخر، أن رفع الحظر تزامن مع تدني أسعار النفط دون 30 دولارا أمريكيا للبرميل، والسوق النفطية «تسبح» في فائض ضخم قوامه نحو مليوني برميل. فوفق ما صرحت به إيران، هي جاهزة لتصدير نصف مليون برميل يومياً. وكنت قد بينتُ في المقابلة مع ياهلا أن إيران أمام خيارين فيما يتصل بتصدير نفطها: إما الزج به دفعة واحدة في السوق الفورية، والبيع بسعر بخس للمشترين، أو تصريفه بالتدريج عبر عقود لزبائن مستقرين، بعد التوصل لتفاهمات بشأنه ضمن أوبك.قبل أيام رفع الحظر عن إيران مقابل تخليها عن برنامجها النووي، وفي هذه الأيام يزورنا رئيس الصين. وقبل الحديث عن الصين، أخلص للقول -وبمناسبة رفع الحظر عن إيران- أن أمام إيران أجندة اقتصادية متخمة بالقضايا، تشمل البطالة والتضخم وتنافسية الاستثمار وترقية مرافقها النفطية، وتشمل كذلك تنفيذ برنامج التحول. وهذا يدفع للقول: ان مجرد رفع الحظر عن إيران لا يعني تلقائياً الازدهار والرفاه لشعبٍ قوامه نحو 80 مليون نسمة، فحتى تحقق إيران تحولاً اقتصادياً شبيهاً بما تحقق في تركيا -مثلاً- يتطلب الأمر منها منح الشأن الاقتصادي أولوية مطلقة، وتحصينه من التعاطي السياسي والجيوسياسي، بل وقولبة كل قضاياها قولبةً اقتصادية-اجتماعية لمصلحة الداخل الإيراني، وإلا فتدفقات الاستثمار ستبقى بعيدة المنال، ومعها تبقى المراوحة الاقتصادية-الاجتماعية. وقد يظن البعض أن هذا تعبير إنشائي أو تفصيلي، وهو بالقطع ليس كذلك؛ فالبلدان هدف رئيسي يحركها تترتبُ من خلاله أولوياتها من الانفاق إلى الاستثمار إلى صياغة برامج النمو والتنمية الاجتماعية؛ فقد تكون هذه أولويات متقدمة أو تابعة.وبالمقابل، لدينا مثال فريد للتحول الاجتماعي والاقتصادي يقوم على الانشغال بتطوير الذات وتنمية قدراتها، وهو جمهورية الصين الشعبية. فعلى مدى ربع قرن حققت الصين معجزة نمو اقتصادي تاريخية، جعلتها ثاني أكبر اقتصاد في العالم من حيث قيمة الناتج المحلي الإجمالي. فمنذ 1978، عندما بدأت إصلاح اقتصادها، ركزت الصين جهدها على الداخل، فكان ذلك أهم وأمضى قرار اتخذته، على عكس الاتحاد السوفيتي الذي قادته طموحاته الخارجية إلى استنفاد مُقدراته الضخمة في حربٍ باردة طاحنة، أدت في نهاية المطاف لإضعافه ثم إفقاره ثم تفتيته. وعلى النقيض من التدبير السوفيتي كان الذكاء الصيني؛ استباقياً استراتيجياً، فقد بدأ برنامجاً هائلاً للتحول لاقتصاد السوق. وقد حيرت وقتئذ تلك الخطوة العالم: كيف بوسعِ أحد خلط الشيوعية بالرأسمالية خلطاً له معنى؟! لقد نجحت الصين، وأبرز نجاحاتها أن اقتصادها حقق نمواً متوسطه السنوي 10 بالمائة على مدى ربع قرنٍ من الزمن، بما مكنها من اقتلاع 500 مليون مواطن صيني من الفقر. وبالقطع، فمازالت الصين تجابه تحديات بما في ذلك مكافحة الفقر والتنمية غير المتوازنة، ولذا تخلت مؤخراً عن مجرد تحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع إلى تحقيق نمو متوازن الأهداف للارتقاء بجودة المعيشة.ومن خلال تركيز الصين على الداخل، تمكنت من تحقيق الكثير لنفسها ولمواطنيها، بأن ارتقت بمكانتها العالمية عبر إنجازاتها على الأرض وتشابك اقتصادها مصلحياً مع الاقتصاد العالمي، مستبدلة -عملياً- ثورة ماو الثقافية بما هو أنفع لفقرائها خصوصاً ولمواطنيها عموماً ولها كبلد وللعالم! وذلك عندما فتح خَلف ماو تسي تونع، الزعيم دينج، اقتصاد الصين أمام العالم من أجل تحقيق الرفاه لمواطنيه. وبعد انضباط «عسكري»، أنجزت الصين الواقع الحالي يراه العالم بأسره، لتصبح -عملياً- مَصنع العالم، الذي أعاد كتابة فصول عدة من النظرية الاقتصادية، ولاسيما كيف ترتقي بالإنتاجية دونما توقف، لتُوقِفَ مصانع الآخرين لعدم قدرتها على المنافسة. وبالمقابل، لم تُطلق -كذلك عملياً- رصاصةً واحدة منذ العام 1978، ولم تدخل في عراك يُذكر مع أي دولة، فيما عدا مناوشات هنا وهناك، ولاسيما مع اليابان، عدوتها اللدود. وهكذا، يمكن الجدل أن تركيز الصين المطلق كان على الداخل، لانتشال الفقراء ولتقوية آلة الإنتاجية لتصل لمداها، فأتعبت الولايات المتحدة وأنهكت أوروبا اقتصادياً وليس أيدلوجياً ولا عسكرياً. لكن انظر تأثيرها عملياً على العالم بأسره، فقد أصبحت الجهة الأهم لتلقي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) من كل أنحاء العالم، وبلغ اعتماد العالم على الآلة الاقتصادية الصينية حداً أن الجميع يُعاني بسبب أن النمو المتحقق للصين في العام 2015 كان 6.9 بالمائة وليس كما كان مستهدفاً 7.0 بالمائة!