رفقاً بعصافير الدُّوري
إذا كانت الإدارة هي "فن الإنجاز" فقد يتجلى هذا "الفن" بشكل أوضح في القدرة على صنع القرار الصائب. ومع أن القرارات تُتَّخذ لتطوير الخدمة أو لعلاج حالة ما، إلا أنها تشبه أحيانا وصفة دواء لها آثار جانبية سلبية. فما الذي يلزم صانع القرار الإداري للتقليل من تلك الآثار الجانبية المحتملة؟ لعل أول خطوة على الطريق الصحيح هي نزول صانع القرار إلى أرض الواقع؛ أي إلى القاع الاجتماعي، وأن لا تكون عينه على الحاضر وحده، ليتمكن من استقراء الآثار المستقبلية المرتبطة بالقرار.قد تصبح الآثار الجانبية أحيانا أسوأ من الحالة المراد علاجها. ومن الأمثلة على ذلك الحملة التي قادها الزعيم الصيني ماو تسي تونج عام 1958م لإبادة الناموس والذباب والجرذان وكذلك طيور الدُّوري من أجل حماية المحاصيل الزراعية. أما الناموس والذباب والجرذان فكائنات يصعب الدفاع عنها ما لم يكن المتعاطف معها عضوا في جمعية الرفق بالحشرات. وأما عصافير الدوري الجميلة فكائنات محبوبة لكنها تأكل جزءا من الحبوب الزراعية. بَدَا القرار صائبا في حينه. لكن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي. فقد تسببت الحملة في كارثة بيئية ومجاعة كبيرة. حيث تناقص إنتاج الأرز بشكل حاد، وانتشر الجراد آفة المحاصيل الزراعية. كان لا بد من الإبقاء على العصافير، فقد كانت تأكل الجراد والحشرات الأخرى، وهي بذلك تحافظ على شيء من التوازن البيئي. إلا أن صانع القرار لم ترد على باله تلك التبعات. تصنع القرارات عادة لخدمة البشر، لكن لا يوجد قرار إيجابي بشكل مطلق، أو دون آثار جانبية ولو طفيفة. فما يستفيد منه هذا قد يتضرر منه ذاك. وقبل أيام نقلت وسائل الإعلام خبر إلغاء هيئة السكة الحديد اليابانية قرار إغلاق محطة قطار (كامي شبراتاكي). وكانت قد قررت إغلاق المحطة بسبب الانخفاض الحاد في عدد الركاب. لكن الهيئة تراجعت عن قرارها من أجل راكبة واحدة. حيث اعتادت فتاة في المرحلة الثانوية أن تستقل القطار المار بقريتها النائية (هوكايدو) للذهاب إلى المدرسة. بقيت المحطة قيد العمل حتى تنهي الفتاة دراستها الثانوية بعد ثلاث سنوات. ولم تكتف هيئة السكة الحديد بذلك، بل عدَّلت مواعيد القطار لتتوافق مع مواعيد ذهاب وعودة الفتاة من المدرسة، واستمر الحال على هذا المنوال ثلاث سنوات، ومن المفترض أن تُغلق المحطة في مارس القادم موعد تخرج الفتاة! وفي عالم ترجح فيه كفة المصالح المادية، يصبح مثل هذا الخبر الذي يتغلب فيه الجانب الأخلاقي والإنساني مؤثرا وفريدا من نوعه!لا يحتاج اتخاذ بعض القرارات إلى مهارات خارقة، أو إلى لجان استشارية متخصصة، وإنما إلى معايير مهنية وأخلاقية عالية، لذلك تعتبر العواطف والأهواء عقبة في طريق اتخاذ القرار الصائب. وقد روى لي أحد الأصدقاء أن موظفا بإحدى الشركات الكبيرة كان يتملق رئيسه الأجنبي طمعا في الترقية، فكان يرافق رئيسه كلما سافر للترفيه عن نفسه، وكان ينفق بسخاء ليكسب رضاه. جاء موعد الترقيات فحصل على الترقية (الجندي المجهول) أي زميل العمل المنتج الذي يعمل بصمت، والذي لا تربطه بالرئيس أية علاقة شخصية. ولم يكن صانع ذلك القرار بحاجة إلا إلى ضمير حي يعمل بكفاءة عالية. وتأسيسا على الأمثلة الثلاثة السابقة، فإن الدعوة إلى الرفق بعصافير الدُّوري التي يقترحها عنوان هذا المقال تشمل كلَّ أولئك الذين قد تتأثر حياتهم بالقرار وهو يتحول من حبر على الورق إلى واقع ملموس.