سكينة المشيخص

النزعة الوطنية في مواجهة التحديات

لم يتعارض الدين مطلقا مع الانتماءات الوطنية التي تعنى بجماعة الناس الذين يتوافقون على عقد وطني يرتكز إلى قواسم مشتركة في اللغة والثقافة والنشأة المتعادلة في أرض يعتقدون أنها لهم ولأجدادهم، تلك هي معايير الدولة الوطنية الحديثة، وبعد ذلك فإن اختلاف أولئك الناس الذين يكونون المجتمع على مرجعية الثوابت التي نشأوا عليها وأصبحت جزءا أصيلا في سلوكهم الاجتماعي والوطني، إنما يفترض أن يضيف إليهم ويمنحهم قوة لأن التنوع الثقافي والعقدي والعرقي منح كثيرا من المجتمعات قوة مضافة، فيما في تجارب أخرى كان خصما عليها ومثارا للتنازع لأن تشويها حدث للثوابت.الدولة الوطنية الحديثة توفر خيارات متعددة لمواطنيها، ولا تسمح لأي عوامل تفرقة بأن تؤثر سلبا على الكيان المجتمعي، ودون احترام للثوابت التي تصبح مهتديات وأسسا للعيش والحياة في المظلة الوطنية وتجاوز لاستدعاءات التاريخ في حاضر المجتمع، فإن مبدأ التنوع لا يمكن أن يثري أو يضيف لقوة ومناعة الدولة والوطن، وحين تصبح العملية عكسية بأن تحل المتغيرات محل الثوابت وتتحرك كما الرمال، فإن النظام الوطني والاجتماعي بأكمله يصبح غير مستقر، لذلك تبقى الحدود الجغرافية للوطن هي المحدد النطاقي لدورة حياة المجتمع وما يحدث بداخلها إنما يصبح جزءا من حراك ذلك المجتمع، دون مساس بالثوابت التي ينبغي أن تتحرك ككتلة فكرية وقيمية غير قابلة للتفتت أمام التحديات.ليست أحوال جميع المكونات الاجتماعية يفترض أن تسير على مسار واحد، ولكن في ظل العقود الوطنية تلتقي جميع تلك المسارات في الوطن الواحد الجامع، فالدولة عبر التاريخ تمارس صلاحيات تقتضي المصلحة العامة، وذلك أمر لا يمكن نزعه منها بحكم مجريات وسيرورة ذلك التاريخ، وعليه من المهم التفكير بموضوعية حين نواجه تحدياتنا الوطنية بعيدا عن الأفكار الاقصائية المتطرفة التي تخوّن وتغوص في ضمائر المواطنين وتبحث عن الثغرات، فذلك أدعى لأن يتحول المجتمع إلى تفكير انصرافي يستنزف طاقته الوطنية، فالتنوع بكل محاوره يظل مصدر قوة حين نتعامل مع ذلك بوعي واحترام ينبغي أن يتبادله الجميع لا أن يحتكره أحد، فالإفراط في النزعة الوطنية نفسه غير صحي وينطوي على التفاف على الحقائق التي تكمن في ذات الشخص الذي يزعم أو يدّعي أنه أكثر وطنية من غيره، وكما قال أحدهم أوسكار وايلد «الوطنية فضيلة الفاسدين» وذلك في سياق الذين يزايدون ويتطرفون ويشوهون النسيج الوطني بما يتعارض مع ثوابت المجتمع ويحتك بموجهات الدولة والسلطة في تدعيم الروح الوطنية بما يخدم مصلحة الوطن والمجتمع.