عبدالله الغنام

لحظات الوهن!!

لحظات الوهن تارة تكون في الأجساد وتارة تكون في النفوس والأرواح. وتلك التي تصيب الأجساد هي أقل خطورة من وهن النفوس والأرواح؛ لأنه حين تضعف النفوس من الداخل يصبح سقوط الأجساد أمرا محسوما لا بد منه!.ولست أعني أيضا الوهن النفسي المزمن، فذلك له علاجه الطبي والنفسي، ولكني أتحدث هنا وبين أيديكم عن تلك اللحظات التي قد تكون لساعات أو ربما تمتد لتصبح فترات من أيام وأسابيع! نشعر خلالها بمرارة وغصة من الضعف والفتور، والوهن عن الإنجاز والتقدم نحو أهدافنا وما نصبو إليه. الواحد منا قد يفقد شيئا من عزمه، وقد يشعر بأثقال على صدره تعكر عليه صفو ليله. وقد يعيش المرء معها بالألم والحسرة حتى تكسو قلبه. كلنا سنمر بتلك اللحظات شئنا ذلك أم أبينا، ومهما علا شأننا أو هبط لأنه أمر طبيعي يعترينا كبشر. تلك المحطات لا بد من ورودها، وأن نتذوق من مر مائها، لا لنتوقف عندها مذهولين مكبلين بالأثقال، بل لنتعلم منها، فتلك اللحظات والفترات لها حسناتها!! حتى لو أن بدت لنا من الوهلة الأولى أنها غير ذلك:من حسناتها أننا نلتجئ إلى من هو أقوى منا وأرحم بنا من أنفسنا؛ لنستمد منه العون والقوة تذللا وخشوعا، ليعيد لنا ما فقدناه من همة وعزيمة. وفي هذا المقام، لا بد من أن نتذكر المشهد الرائع في تلك الآية العظيمة التي تخاطب قلوبنا وعقولنا معا فتقول لنا: «ففروا إلى الله» كأننا نهرب من كل شيء من حولنا فرارا ولجوءا إليه.ومنها أن يظل الإنسان يشعر بضعفه، فلا يغتر بنفسه، ولا بما أنجز وعمل، وليدرك أنه لو استمر بنفس القوة في كل الأوقات للبسه ثوب الغرور، واعتلاه الشعور بالكمال والعظمة، وتلك بلا شك هي مقبرة الأعمال والإنجازات.ومن حسنات تلك اللحظات أو الفترات أن نرجع إلى أنفسنا لعل هناك تقصيرا، أو أن الطريق الذي نسير عليه قد اعوج، ويحتاج إلى تصحيح، أو ربما ترهل فيحتاج إلى ترميم وإعادة تفكير. ومن هنا، يبدأ الطريق الصحيح بالمراجعة والاستخارة ثم الاستشارة. وقد جاء في الأثر: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار».ومن فوائدها أيضا ظهور الحاجة إلى نوع من العزلة المؤقتة، يخلو المرء بنفسه يراجع أهدافه وإنجازاته، فتلك مؤشرات وعلامات على أنه حان الوقت للتعديل والتطوير. ظل أبوحامد الغزالي -رحمه الله- يتنقل من طور إلى آخر حتى أخرج لنا كتبا تركت أثرا بالغا في نفوس البشرية، منها ما كان تأثيره عاطفيا نفسيا كتاب (احياء علوم الدين)، ومنها ما خاطب به العقل والمنطق كتاب (مقاصد الفلاسفة)، وكتاب (تهافت الفلاسفة).ولعلنا نتعلم من تلك الفترات أن الآخرين ممن حولنا هم أيضا معرضون لها، فنتعاطف معهم بدلا من أن نقسو عليهم. ونقف معهم بدلا من أن نقف ضدهم. نُشير عليهم بدلا من أن نُشير إليهم!. يقول روبرت غرين صاحب كتاب تمسك بزمام القوة "إن ظهور المرء أفضل من الآخرين خطر على الدوام، ولكن الأخطر من كل شيء هو ظهور المرء بلا عيب وضعف".وأخيرا.. تلك اللحظات هي واقعة على الإنسان لا محالة، وأول علاج لها هو تقبلها!!، ولكن بدون أن نتوقف عندها دهرا، ولا أن تكون عائقا يصعب علينا اجتيازه كسلا وترهلا، بل هي محطات لنتزود ونتطور نفسيا وعقليا حتى ننطلق عاليا محلقين كالسهم بقوة من جديد.