«ليبيا» السباق إلى الوفاق
في الأسبوع الأول من مباشرة السيد مارتن كوبلر لمهامه مندوباً للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، قام الرجل الذي تجاوز الثانية والستين من عمره بخطوتين وصفتا على الإجمال بأنهما سارتا في طريق إيجابي، الخطوة الأولى: زيارته لعدد من دول التأثير والقرار المباشر، وغير المباشر فيما يحدث في ليبيا، وأحسن صنعا أن كانت انطلاقته من دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم جمهورية مصر العربية. وأعُلن أن هناك سلسلة من الزيارات لدول إقليمية، وأخرى أوربية. الخطوة الثانية: هي زيارة الرجل إلى الواجهتين السياسيتين في ليبيا، اللتين تمثلان عنصري الخلاف والانقسام، حيث كان في طبرق والتقى عددا من قيادات مجلس النواب المعترف به دوليا. ثم حل في طرابلس والتقى بأعضاء ولجان وقيادات في المؤتمر الوطني الليبي العام الذي يوصف بأنه ذو ولاية منتهية منذ 7 فبراير 2014م. ردود الفعل على هاتين الخطوتين لم تكن بنفس القوة والرضا، فالبنسبة للمجتمع الدولي كان هناك ترحيب كبير بهذه الخطوات وأكثر من ذلك كان هناك تعويل على نتائج ايجابية لها حتى أن السيدة فردريكا موغريني المسئولة عن السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي تنبأت باتفاق وشيك على الخطة السياسية المقترحة من 9 أكتوبر الماضي في الصخيرات المغربية، بعد تعديلات أكد السيد كوبلر للأطراف الليبية أنها تمت على آخر مسودة، وهي تعديلات تتعلق جوهريا بصلاحيات وتشكيلة المجلس الرئاسي للدولة أو لحكومة الوفاق المرتقبة. وهذه التعديلات أصبحت تنسب في وسائل الإعلام بأنها جاءت من قبل نواب الجنوب الذين سعوا إلى إيجاد توازن تمثيلي للأقاليم والمناطق المكونة للجسم الجغرافي والديموغرافي الليبي. ولم يستغرب أكثر من مراقب حالة الانقسام التي سيطرت على الرأي العام الليبي الذي استمرت مظاهر الانشطار عليه، حيث برز هناك من رفض الزيارات الداخلية لمجرد أنها كانت بدايتها من طبرق، وليس من طرابلس. ولأن ذلك يعطي وزنا نوعيا للزيارة ولطبيعة اللقاءات! وفي التقدير العام أن مثل هذه الدفوعات ذات الطابع السياسي غير ذات بال في طبيعة المرحلة، وإن عكست شيئا يفهمه المراقب فهو خروج جملة أدوات الحل الحقيقية من أيدي اللاعبين الليبيين بصورة لم تعد تخفى على أحد. القراءة الأخرى والأكثر أهمية هي تلك التي تعكس تغيرا في المزاج الدولي العام مهما كان طفيفا في الرغبة بالتعامل مع المشكلة الليبية، والسير بالأطراف الداخليين والإقليميين في بداية طريق الحل، هذه المعطيات مشجعة لو أنها جاءت في معزل عن جملة أمور أهمها: تزايد نفوذ الجماعات المسلحة وبروز جماعات إرهابية تسيطر على مدن ومناطق بشكل واضح، وتضع شروط الحياة والعمل وتحاول تأطير النظام العام. ثم هناك تفاقم حدة الاحتياجات الإنسانية الطبية والغذائية وقبلها الأمنية بصورة تعكس فوضى عامة تسود البلاد الليبية. يضاف إلى ذلك عدم تبلور قوى لحماية النظام العام وإيجاد شكل مناسب ومقنع لسلطة الدولة بين الناس. وكان الأمل في أواخر 2013م عندما تم إنشاء هيئة تأسيسية لصياغة دستور ليبيا الجديدة أن يكون لها دور ككيان سياسي لتؤدي دور شبيه بدور هيئة حاكمة في بعض الفترات، إلا أن كل ذلك تبخر اليوم أو أصبح أكثر بعدا عن الواقع، حيث ظهر على السطح مؤخرا خلافات لما يعرف بهيئة الستين، وهذا هو عدد الأعضاء الذين تتكون منهم الجهة التي كلفت بصياغة دستور ليبي حديث. هذه الهيئة أصبحت محل تندر بين الليبيين، وأصبحت اجتماعاتها بين مناطق البلاد أمرا غاية في الصعوبة وسط ظروف أمنية خطيرة، وتعالت دعوات عدم الثقة بالهيئة والمجموعة المسيرة لأعمالها، بعبارة أخرى طالها الانقسام الذي لم يعد يفرق بين ابن القبيلة أو المنطقة وبين رجل القانون والسياسية والمتحزب. ووسط كل هذه المناخات التي تبعث الأمل حينا، وتقتل الهمة أحيانا كثيرة، يبقى هناك أمل بأن تتضافر جهود دول الإقليم والدول القادرة؛ لإنهاء حالة الحوار المستمرة منذ ما يزيد على العام، ومن ثم الدفع بالجميع لإنجاز الحل السياسي لتولد حكومة الوفاق التي قد تخفف من عذابات الليبيين بعض الشيء وترد للناس بعض الأمان الذي غادر حياتهم. ومن البشائر، أنه سيعقد في مطلع شهر ديسمبر الحالي لقاء تحتضنه دولة إقليمية لها تأثيرها في مجريات الأحداث في ليبيا هي الجزائر، بمباركة دولة إقليمية هي الأخرى لها بصمتها الواضحة على ما يجري فوق التراب الليبي وأعني بها الدولة المصرية. ليبيا تبحث عن حل، والليبيون ليسوا قادرين على اجتراح الحل بقواهم الذاتية. وعليه، فلا يمكن أن تترك هذه البلاد وشعبها دائرة مغلقة للعنف.