تقديس الأعراف
تهيكل العادات الاجتماعية معظم سلوكنا الحياتي بل وتتدخل بصفة مباشرة في كثير من القرارات التي نتخذها بطريقة ضاغطة ولكن بدون أن نشعر بسطوة هذه الهيمنة أحيانا، وهذا يحدث لأن غالبية الناس تفكر قبل اتخاذ جل قرارتها بناء على ما اتفق عليه العرف والعادة وما تواترت عليه ثقافة المجتمع المحلي.. ولا ضير في أي عادة اجتماعية حسنة لا تتضاد مع حرية الإنسان في الحدود المعتبرة لإنسانيته، بل إن هناك عادات اجتماعية نافعة ساعدت على الاستقرار والسلم الاجتماعي في الجماعات الكبيرة والصغيرة، لكن ماذا عن بعض العادات والأعراف التي تتنافى مع حرية الإنسان وتسلب حقه في تقرير ما يراه صحيحا ومناسبا وما يراه بخلاف ذلك. إن أبسط مثال لتدخل العادات في صميم حياة البعض بطريقة مسيطرة هي؛ الأخذ في الاعتبار عند تصميم المنزل الشخصي غرفة لاستقبال الضيوف من الجنسين وتخصيص أخرى للوليمة المقدمة لهم، وليست المشكلة إذا كان الأمر متاحا لتصميم ذلك إنما تبرز عندما لا يملك مساحة كافية لفعل هذا ويشعر بالانزعاج والنقص لعدم قدرته على تنفيذ هذا، في حين أن آخرين تجاوزوا هذه الإشكالية وصمموا منزلهم بما يتناسب مع احتياجهم وذوقهم وقرروا أثناء ذلك أن تكون مناسبات الاستقبال والعزائم خارج منزلهم، وهذا مثال بسيط في الفرق بين من يفكر وهو مؤطر بالعادات والتقاليد ويأخذها في الحسبان عند تنفيذ جل قراراته وبين من يتحرر منها.. لو لم يكن هناك بشر وأفراد قفزوا على حاجز العادات الاجتماعية عديمة النفع بل والضارة أحيانا لاستمر الناس في تقديس العادات والأعراف بطريقة تسلب حق وإرادة الإنسان في التفكير بحرية هي جرح في حق إنسانيته، ويكبر هذا الجرح عندما يكون تقديس العادة يؤثر في قرارات مصيرية في حياة الإنسان تتضاد مع مصلحته الفردية كقرار مرتبط باختيار شريك الحياة أو التفاصيل المتعلقة بترتيبات الزواج والتكاليف المادية والمعنوية المرتبطة بها.. إن كنت فردا راشدا عاقلا تثق بفكرك وحكمتك لا تسمح بأن يتدخل في قراراتك المصيرية - وغير المصيرية أيضا - عنصر الخوف من نظرة الآخرين، لا تكن من أولئك الأشخاص الذين ينتظرون من غيرهم التقدم وإفساح الطريق أمام تجاوز بعض العادات البالية، فبعضهم يريد أن يكون رقم 100 في قائمة التنفيذ، فمثلا عندما قررت بعض القبائل تخفيض مهور بناتها لتجاوز أزمة العنوسة وتسهيل أمور الزواج أمام شبابهم لم يكن أحد يتمنى أن يكون رقم 1 في تنفيذ هذا الإجماع خوفا من أن يقال أنه يريد سرعة تزويج ابنته بقيمة رخيصة. وفعلا فئة قليلة في بداية الأمر هي من أقدمت على ذلك حتى صار الأمر شائعا ومتعارفا عليه بل ومرحبا به.. كن على قدر من الشجاعة والثقة التي تمكنك من القبول بتصدر قائمة التغيير نحو كل ما يخالف أي عادة وتقليد اجتماعي غير نافع للبشر، لا تجبن من تلقي سهام النقد التي تفرض كضريبة على أي حر مقدم على هدم جدار القداسة الوهمية في أعراف البشر، لا تخف وكن صاحب قرار في المواقف المفصلية في حياتك لا تكن معجبا بالأقوياء من بعيد؛ كن واحدا منهم. وحدهم الجبناء لا يقفزون على حواجز التغيير فهم يعانون متلازمة "تقديس الأعراف البالية".