سالم اليامي

ما الجديد في ليبيا؟

عندما زرت البلاد الليبية أول مرة في شهر يوليو2012م لاحظت انتشار عبارة "الجديد دائماً يأتي من ليبيا" وفهمت بعد حين أن كلا يستخدم هذا التعبير حسب مراده، وعلى طريقته الخاصة، وعرفت بشكل أدق أن هذه العبارة كانت تستعمل أيام النظام السابق كصورة عامة للتعبير عن جملة من المضامين بصورة آمنة لا تضع مستخدمها في مواجهة مباشرة مع جبروت النظام. اليوم وبعد سنوات من الثورة ما يزال هناك من يستخدم هذه العبارة، ليس خوفا من سطوة أحد في ليبيا التي تغيب فيها الدولة، ولكن ربما للتمرد على الوضع المأساوي الذي عجزت كل المحاولات لإخراج البلاد من سطوته. وعلى ذكر الجديد وليبيا وفي أعقاب تسلم المبعوث الجديد لمعالي الأمين العام للأمم المتحدة لمهامه منتصف شهر نوفمبر الحالي، سأل عدد من المهتمين بليبيا وما يجري فيها، ما الجديد بعد رحلة العام من الحوار الذي قادته الأمم المتحدة برعاية مبعوث أمينها العام السيد برناردينو ليون؟ وللأمانة أود التأكيد على نقاط مهمة في تناولي للوضع هناك، أهمها أن النخب وأصحاب الرأي في ليبيا غالبا ما يكون لهم آراء متضاربة حول نفس الموضوعات، نظرا لطبيعة البنية المنقسمة لديهم على المستويات الرأسية والأفقية، نقطة أخرى مهمة في رأيي وهي أنه على المراقب الذي يحاول أن يكون أمينا بقدر المستطاع، أن يُبصر من يقرأ له أو يسمعه من الليبيين أو سواهم بحقيقة ما يراه، واعني بذلك برأي قد يكون مخالفا لما يدور بين الليبيين، في الاتجاهين. النقطة الأخيرة وهي الأهم، أنه على من يتصدى للقراءات المحايدة في الشأن الليبي التذكير دائما بخطورة وحساسية تطورات الأمور هناك، والتأكيد بشكل ملح أن الشأن برمته ليبي قبل أن يكون بقيادة الأمم المتحدة وبإدارة أحد مبعوثيها.بعد هذه المقدمة أجيب المتسائلين دائما، أن الجديد الذي حملته لنا الأخبار مؤخرا هو مباشرة الألماني السيد مارتن كوبلر لمهامه مبعوثا للامين العام في ليبيا ورئيسا لوحدة الدعم. كوبلر وعند قدومه إلى ليبيا لأول مرة أعرب عدد من الليبيين عن عدم تفاؤلهم بنجاح الرجل، أو لنقل بعدم نجاح مهمته. نظرا لعدة اعتبارات منها المهام السابقة التي قام بها ومنها انه أعلن للحظة الأولى لوصوله إلى ليبيا بأنه قادم لإنهاء مهمة سلفه. وفي الحقيقة قد يكون كل ذلك بدون مبرر واقعي؛ لأن ليبيا ليست تحديا شخصيا للرجل سواء كان اسبانيا أو ألمانيا، ولا للأمم المتحدة التي تقوم بدور وسيط لعملية الحوار، الحالة الليبية يجب أن تكون تحديا شخصيا لليبيين القادرين على إنقاذ بلادهم من السير في طريق الضياع. ولعلنا نتذكر جميعا آخر تصريح للسيد ليون قبل مغادرته منصبه بشكل رسمي حيث قال بوضوح ودون مواربة إن الليبيين هم من افشلوا الحوار، وعرقلوا جهود الأمم المتحدة في الوصول إلى حكومة وفاق وطني بالصيغة التي أعلنت في الصخيرات. هنا نجد أنفسنا على مستوى آخر من التحليل أمام مهمة السيد كوبلر القادمة. ما طبيعتها؟ وما نسب النجاح لها؟ وهل سيقع في ذات الهفوات التي تحدث عنها بعض الفرقاء في ليبيا بأنها كانت السبب وراء فشل السيد ليون؟ حول طبيعة المهمة للسيد كوبلر لن يَحْدث عليها في شكلها الأساسي تغيير حيث إن الهدف المعلن لا يزال هو إقامة حكومة وحدة وطنية تقود البلاد والعباد في مرحلة انتقالية مدتها عامان. وحول نسب النجاح في هذه المرحلة تذهب جُل التوقعات إلى أن نجاح السيد كوبر يتوقف على إحداث تعديل مرن في شكل الخطة والنتائج المطروحة على طاولة العمل الليبي لا أكثر. مع مراعاة مهمة جوهرية وهي أن لا يساوي كما فعل سلفه بين طبقة أهل السياسة وبين طبقة قادة الميليشيات وأمراء الحرب كما أصبح يطلق عليهم في ليبيا، وأظنه واعيا لهذه الجزئية بوجود مستشاره الخاص لقطاع الأمن في البلاد الجنرال الايطالي باولو سيرا الذي من المؤمل أن يتولى التعامل مع هذه الجهات أيا كانت التسميات التي تخضع لها. بقيت مهمة صعبة قد تتجاوز قدرة الأمم المتحدة لاستعادة الدولة أو بعض من مظاهرها في ليبيا وأظنها منوطة بمراجعة الدول القادرة لمسؤوليتها الأخلاقية حول تطورات الأوضاع في ليبيا خلال الأعوام الأربعة الماضية، وأن تسعى بجد لتذليل كل العقبات أمام الدولة الوليدة وأن تهيئ للحكومة التي من المؤمل أن تعلن في القريب، سبل النمو والوجود والاستمرار عبر إزاحة كل أشكال التهديد الداخلي والخارجي.