تعلُّم الحلاقة في رؤوس الصُّلْع
تحرص المؤسسات الباحثة عن التميز على أن تختار للوظائف التي تتطلب اتصالا مباشرا مع العملاء من يجيد فن التواصل، ويبدي تفاعلا مع مختلف الحالات، ويعطي انطباعا إيجابيا عن خدمات المؤسسة. لكننا نقابل في بعض المؤسسات من ينقصه الاستعداد والصفات الشخصية والمهارة والأساليب المهنية اللازمة لأداء العمل بكفاءة عالية. لذلك يبدو بعض شاغلي تلك الوظائف كمن يتعلم الحلاقة في رؤوس الصُّلْع.لنأخذ، على سبيل المثال، موظفي وموظفات الاستقبال، وسنجد أن بعض شاغلي تلك الوظائف ليسوا مؤهلين ليحتلوا الواجهة. وهنالك نكات كثيرة تتناول حال شاغلي تلك الوظائف. بعضها عن ضعف المهارات، وسوء التعامل، وأخرى عن البلادة واللا مبالاة. لنتأمل النكتة التالية فهي تعبر عن الفظاظة وسوء التهذيب. يتصل أحدهم طالبا تحديد موعد مع الطبيب، فتجيبه الموظفة قائلة: "لن يستطيع الطبيب مقابلتك قبل أسبوعين من الآن". يرد المريض قائلا: "هذه مدة طويلة وقد أموت قبل ذلك الموعد". تجيبه الموظفة قائلة: "لا مشكلة. لكن لا تنس أن تخبر زوجتك؛ كي تتصل بنا لإلغاء الموعد"! لنستعرض مثالا آخر يعبر عن عدم القدرة على التواصل مع العملاء: تدخل سيدة إلى محل لبيع الملابس وتطلب من العاملة مساعدتها: "لو سمحتِ، أختي، ممكن تشوفي لي مقاسا أكبر؟" تجيبها العاملة: "ما فيه غير المعروض" "طيب.. ما عندكم في المخزن؟" تسأل السيدة. فتجيب العاملة: "ما فيه". "ممكن أجد مقاسا أكبر في فرعكم الثاني؟" "أنا مالي علاقة بالفرع الثاني". "طيب.. ممكن تتصلي بالفرع وتسأليهم؟" فترد العاملة: "تقدري تروحي الفرع الثاني وتشوفي بنفسك". ترى كيف تقيم أداء هذه العاملة، لو كنت رئيسها المباشر؟ وقد تقف أمام كاونتر الاستقبال فتلقي التحية، وتذهب تحيتك أدراج الرياح. لا تتوقع أن تسمع السؤال المتعارف عليه: "بِمَ أستطيع أن أساعدك؟" هذا ليس من أدبيات كاونترات الاستقبال عندنا. سوف يستقبلك الموظف أو الموظفة بنظرة سيبيرية جامدة منتظرا أن تعرض مشكلتك. أما الابتسامة فهي ترفٌ وفائضٌ عن الحاجة، ومن لزوم ما لا يلزم. المزعج أن هؤلاء يحتلون الواجهة، مع أنهم أشبه بتماثيل الشمع في متحف مدام توسو. وفي مقابل ذلك، وعلى النقيض منه، أسوق مثالا حيَّا: ففي أحد فنادق مدينة بانجلور الهندية، وبعد اكتمال إجراءات التسجيل، تأخر إعداد مقر سكننا ساعة. وهو أمر مزعج بعد أربع ساعات طيران، ودوامة إجراءات الجوازات والجمارك، وقضاء ساعة في السيارة من المطار إلى الفندق. غير أنه ما أن رُتِّبَت المسألة حتى جاء مدير مكتب الاستقبال بنفسه حاملا هدية ومعها رسالة اعتذار عما اعتبر تقصيراً هذا نصها: "سيدي العزيز. نعتذر عن الإزعاج الذي سببناه لك عند وصولك، ونرجو أن تحظى بإقامة ممتعة في فندقنا. راجيا ألا تتردد في طلب أية مساعدة يمكنني تقديمها إليك. مدير مكتب الاستقبال". هذه هي المهنية العالية التي أتحدث عنها. وإزاء التباين الصارخ بين هذين النموذجين نتساءل: كيف يتم اختيار موظفي وموظفات الاستقبال في مؤسساتنا ومستشفياتنا؟ وما هي شروط شغل تلك الوظائف؟ وما هي المؤهلات المطلوبة؟ وهل يتم إلحاقهم بدورات تدريب مكثفة؟ أم أنهم كمن يتعلم الحلاقة في رؤوس الصُّلْع؟ ختاما.. ولكي أكون منصفا أقول: كما أن هنالك من لا يحسن التعامل مع العملاء، فإن بعض العملاء أثقل من الهملايا، وأن التعامل معهم يرفع الضغط، وقد يسبب قرحة المعدة. لكن الزبون على حق دائما!