عطر الوطن
ما الذي يربطنا بالوطن هل هو المولد والذكريات والنشأة أم الرابط التاريخي الموروث من الآباء والأجداد، أم الترابط والنسيج الاجتماعي؟. قد تكون كلها مجتمعة في مزيج قوي ليخرج لنا خليط من المشاعر والأحاسيس العميقة نحوه، وليصبح أرضه فراشا لنا وسماؤه غطاء، وهواؤه أجمل رائحة عطر استنشقناه.هو ولا شك ارتباط عميق في دواخلنا وحب فطري دافئ لا مناص ولا مفر منه نحمله معنا أينما ارتحلنا وذهبنا. ويكفينا دليلا على ذلك الحب العميق قوله عليه الصلاة والسلام حين هاجر من مكة «ما أطيبك من بلد وما أحبك إلي ولو لا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك».وفي حب البلاد والوطن أيضا قال مصطفي صادق الرافعي رحمه الله: «بلادي هواها في لساني وفي دمي، يمجدها قلبي ويدعو لها فمي. ولا خير فيمن لا يحب بلاده ولا في حليف الحب إن لم يتيم». ولكن يبرز في مقابل ذلك الحب العطاء له، وتقديم ما يثبت ذلك الحب والتفاني من أجله قولا وعملا. في البداية لا بد أن نثمن ونعتز بأن جنودنا البواسل وهم إخواننا وأبناؤنا قد قدموا وما زالوا يقدمون أنفسهم ليحموا الوطن من كل عدو غادر أو معتد. وتقبل الله ورحم وغفر لمن رحل منهم، وثبت من بقي منهم ورده إلينا غانما سالما. وقد اثبتوا قولا وفعلا مقولة: وطن لا نحميه لا نستحق أن نعيش فيه. واما إذا انتقلنا إلى شرائح أخرى من المجتمع مثل المؤسسات والشركات في القطاع الخاص فعليها دور مهم وحيوي وهو الدعم المادي في الميادين المختلفة سواء كانت خيرية أو تطوعية أو مشاركات اجتماعية وثقافية، بل حتى المساهمة في دعم القطاعات المتعددة من صناعة وصحة وتعليم وثقافة وغيرها. هم جزء من الوطن استفادوا من كثير من خيراته وعلى عاتقهم عطاء ردا للجميل والوفاء في وقت الرخاء والشدة. وأما على مستوى الأفراد، فهناك جملة من النقاط لابد من وجودها، بل الاعتقاد بها حبا للدين والوطن، منها نبذ الفرقة وهي تقع على عاتق استيعاب مبادئ مثل التعددية الطائفية والمذهبية، وأن هناك مساحة في الوطن للجميع عاش أفراده على مختلف التوجهات تحت راية تجمعهم إضافة إلى قواسم كثيرة تلملمهم بعد أن كانوا طوائف وفرقا مبعثرة متناحرة. وحتى حين يظهر صدع- لا سمح الله- من اختلاف في جدار الوطن فإنا نصلحه بقوله تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن». وهناك أمور اخرى لا بد أن يقوم بها كل فرد منا لأن الوطنية تشمل كل عمل صغيرا كان أو كبيرا. ولكل دور لابد أن يقوم به حتى تكتمل الجهود من أجله. وقد جانب الصواب من يعتقد أن بعضا من الأمور والتصرفات الصغيرة التي يقوم بها لا تؤثر في الكل كمجتمع ووطن، ودليل ذلك أن أقل منزلة في الإيمان هي إماطة الأذى عن الطريق يدخل في باب الغيرة عليه وأن يكون غيره من البلاد أكثر منه نظافة ونظاما.ويدخل في ذلك الاهتمام بالمرافق العامة، والاهتمام بالوحدة الوطنية، والاهتمام ببيئته كلها دقها وجلها هو من الوطنية أيضا. وكلها تقع على عاتق الفرد والأسرة لننطلق من هناك إلى الأسرة الأكبر والحضن الأوسع وهو الوطن.وكم نحن بحاجة ماسة لذلك الأسلوب والمنهج في التفكير الذي يجعلنا موحدين خاصة في هذه الفترات العصيبة حيث الوطن مستهدف من كل صوب وحدب في محاولات كثيرة فاشلة لزرع الفتنة والتفرقة فيما بيننا. إن الفرد منا كالعود المنفرد يسهل كسره، بل حتى العبث بفكره!، ولكن حين نكون حزمة كالجماعة نصبح أقوى وأذكى من غيرنا. إن القواسم المشتركة بيننا في وطننا تجمعنا أكثر مما تفرقنا منها الدين والقرآن والقبلة واللغة والنسيج الاجتماعي والثقافي ومع ذلك كله، فهناك من جعل قلبه وعقله يصغي لمن يهتفون ويريدون لتفتيت هذه اللحمة المتعاضدة عدوانا وحقدا وجهلا.