شرطة السعادة!
تفتش شرطة دبي عن المواطنين والمقيمين غير السعداء، وهي تبحث عنهم ضمن العينات العشوائية التي تختارها من فئة الأفراد الذين صوتوا بأنهم غير سعداء عبر مؤشر «المدينة السعيدة الذكية» الذي أطلق استطلاعا للجمهور يتعرف فيه على نسبة غير السعداء في المدينة وأسباب عدم سعادتهم.. الجدير بالذكر هنا أيضا أن عموم الأشخاص الذين شاركوا في الاستطلاع السابق؛ كانوا سعداء بنسبة وصلت إلى 80% من إجماليهم، بينما تفاوتت النسبة الباقية بين مشاعر محايدة ومشاعر غير سعيدة.. طبعا نوع السعادة الذي تهتم به شرطة دبي هنا لا يتعلق بالأسباب الشخصية فلو كان الأمر كذلك لكان هناك بلا شك اختلاف في النسبة، إنما الموضوع والاستفتاء كان يتعلق بأسباب السعادة من عدمها المرتبطة بالدوائر الحكومية أو الامارة وتعامل المواطنين والمقيمين معها والتي تعني الجمهور بشكل عام، ومعرفة ذلك تساعد الجهات المختصة في توثيق أسباب عدم الرضا والسعادة وعرضها على المجلس التنفيذي لحكومة دبي.. لقد استوقفني هذا الخبر كثيرا وأنا أتأمل بالخيال؛ حال كل شخص ممكن أن يوجه له هذا الاستفتاء (أو السؤال عن سعادته) خارج الهدف المذكور، وخارج بقعة دبي الجغرافية.. بمعنى مباشر، هل أنت شخص سعيد أم غير سعيد؟! سؤال مباشر وبدون تقنين ومعايير معينة، فكروا معي قليلا وتأملوا كيف ستكون الإجابة. هل تتوقعون أن نصل مثلا في المجتمع السعودي إلى نسبة 80%، نسبة السعداء من عموم الأفراد؟. طبعا أنا هنا أؤكد أن السؤال لا يرتبط بعوامل محددة كالتي تفتش عنها شرطة دبي، فالمتوقع بشكل عام وبدون مبالغة أن نسبة كبيرة من عموم المواطنين والمقيمين لن يكونوا سعداء وراضين عن بعض الدوائر الحكومية أو بعض الخدمات الخاصة بالمدينة القاطنين بها، لذا لم أطل التفكر في الإجابة التي قد تكون حاضرة لهذا التساؤل عند العموم، إنما ذهب ذهني إلى أبعد من ذلك عندما تذكرت أن السعوديين والخليجيين بشكل عام يحتلون مرتبة متقدمة في قائمة الشعوب الأكثر سعادة في العالم.. والتأمل الحقيقي يبرز في عدة تساؤلات تبزغ من هذه الحقيقة، وهي هل يشعر الإنسان المنغمس في بعض الملذات والخيرات والنعم بنكهة السعادة، أم أنه يألفها مع طول أمده فيها فلا يشعر بالتلذذ والسعادة بها؟. لماذا ينكر البعض أو ينفي حقيقة أن المال مترافقا مع الصحة أحد أهم عوامل السعادة، والله سبحانه وتعالى ذكر أن المال زينة الحياة الدنيا؟ وهل هذا الإنكار بقناعة حقيقية أم مظهر مثالي؟.. عموما أكثر الأدبيات التي تحدثت عن السعادة كانت تربطها إما بعامل الرضا بالمكتوب والقدر والقناعة بالنصيب المتاح لك بالمال.. أو تربطها بالحب والحظوة به بطريقة منعشة للقلب.. أغلب الأدبيات ربطت السعادة بعوامل قدرية ليس للإنسان خيار كبير بها.. أما أولئك الذين تحدثوا في كتبهم عن صناعة السعادة ودور التفكير فيها كانوا أكثر إحباطا من الفئة الأولى التي رأتها مرهونة بعوامل قدرية، فقد كانوا يكتبون لنا عن قدرة الإنسان في صناعة السعادة بطريقة فلسفية مثالية قابلة لأن تكون مزخرفة وجميلة نظريا على الورق وغير قابلة للتطبيق على الواقع بالشكل الممكن.. نريد حديثا جديدا يفتق لنا طريقة مجدية للاستمتاع بالحياة حتى في أصعب ظروفها ولو حتى في الدقائق أو الثواني الأخيرة التي تفصل بين الحياة والموت.. طريقة لا تعتمد على الانكباب واللهفة على الحياة ولا الزهد فيها.. فكروا وأدلوا بدلوكم.