المستقبل يرفض المذهبية والطائفية
الطائفية مرادف اصطلاحي متقارب من المذهبية، وفي السياقات الفكرية والاجتماعية أصبحت هذه المصطلحات ذات دلالات خشنة لعدة اعتبارات تبدأ من فكرة التمييز والانقسام، ما يجعل انزياحاتها خطرة على أفكار أخرى ملهمة مثل التعايش والتقارب، فلا يتوقع أن يكون هناك تعايش في ظل نمو الطائفية والمذهبية، اللذين يعملان على التباعد ووضع الحدود الفاصلة دون إمكانية منطقية للتحرك الفاعل والإيجابي من خلال القواسم المشتركة.الانفجارات وأعمال القتل وسيل الدماء التي تصاحب السلوكيات التعبدية للمذاهب الدينية تعكس احتقانا لم يتم فعل الكثير للكف عنه، فليس من مذهب ديني أو سياسي يمكن أن يتخذ الموت طريقا لتحقيق غايات إيجابية، وحين يحدث ذلك فإن من المؤكد أن هناك خللا في المسار الفكري الذي يبيح انتهاك حرمات النفس وأماكن العبادة، ثم إن ذلك لا يليق بالفطرة الإنسانية السليمة التي تأنف القتل وارتكاب المحرمات وكأنها منهج لبلوغ الحلال، وحتى إذا قمنا بتجريد العامل الديني من هذه السلوكيات القاتلة والعدائية العنيفة، يبقى العمق الإنساني مانعا للعبث بالحيوات وتخريب التعايش وأمن واستقرار المجتمعات وتهديد سلامها المجتمعي.في السابق تصارعت تيارات داخل ديانات كبيرة، ولكنها انتهت بالحوار إلى تقسيمات نهائية حددت خيارات الاتباع واحترمتها فتوقف النزاع، غير أن الحيوية العدائية الكامنة في اتباع الدين المعاصر لا تستقيم مطلقا مع سماحته وآدابه وتعاليمه وقيمه الإنسانية الواسعة، وهناك فجوة كبيرة بين الأصول وطريقة تكييفها في الواقع، لأن مساحة التفسير والتأويل أصبحت مستباحة من أصحاب خطاب مبتسر ولا يجدون من يحاسبهم أو يضبطهم، فأصبحوا بذلك مؤهلين لانتاج أجيال من العدائيين والاحتفاظ بموروث بائد لم ينجح في اكتساب الطابع المتسامح الذي يعلو على العنف، مع أن قليلا من السمو يكفي لإذابة كل كتل الحقد والكراهية.حينما نصل إلى المرحلة التاريخية التي نعيشها حاليا ولا يزال بيننا في ذات الدين من يحمل خطابا تقليديا لم يتعامل مع النصوص ومقتضيات الدين في تهذيب السلوك، فمن المؤكد أننا لسنا بخير، لأن إعادة انتاج السوء ليس عملا حكيما، ولنا أن نسأل ما الجهد الذي بذلناه لتجاوز المرارات والأحقاد؟ لم يكن هناك جهد حقيقي سوى الإبقاء على مشكلات التاريخ والماضي، ونحن نثقل كاهلنا بأحمال ذلك التاريخ ما يعطلنا عن الدخول من أوسع بوابات المستقبل، وبذلك نتأخر ونتعطّل، وليس من مجتمع يمكنه أن يخترق المستقبل متصالحا مع نفسه والآخرين دون التخفف من أعباء الماضي، فلماذا لا نكون أبناء اليوم والغد دون أي عمق متباعد ومتمايز؟!!