مصالح الدول ضمانتها الندية والاحترام
كالكثير منكم، تابعت خطب بعض قادة الدول في الأمم المتحدة، وكذلك كالكثير كنت اود معرفة كيف سيرد الرئيس بوتين على خطبة الرئيس أوباما، بعد مهاجمة الأخير لسياسة روسيا الخارجية جملة وتفصيلاً، وهي خطبة لم يتمكن الرئيس بوتين من الاستماع لها مباشرة لسفره أثناء إلقاء أوباما لها، لكنها كانت دفاعية تبريرية. وعلى الرغم من أن شعبية أوباما في المنطقة العربية منخفضة، إلا أن خطبته كانت مهمة عَرَضت لاستراتيجية أوباما في اتخاذ القرار، التي لم تفارقه منذ ما قبل فوزه بالرئاسة، وهي الخروج من الحروب وألا يدخل حربا إلا مضطراً وتقديم الملف الاقتصادي عما سواه. وهكذا كان، أخرج جيش الولايات المتحدة الأمريكية من العراق بعد أن عاث فيه تقطيعاً وإضعافاً وتبديداً، وبعد أن زرع بين الأخوة "جرثومة" المحاصصة والتحاسد والتنازع، وهي جرثومة حاملة لكراهية المواطن لمواطنه! ما أعجبني في خطاب أوباما اعترافه بأن الولايات المتحدة فشلت، وأقر بأن الولايات المتحدة أرسلت للعراق جيشاً قوامه مائة ألف مقاتل وأنفقت ترليونات وتركت عراقاً غير مستقر! واعترف بفشل السياسة الأمريكية في كوبا، البلد الشيوعي الصغير.ليس الهدف هنا تحليل السياسة الأمريكية، ولا حتى الروسية، بل لأقول إن لا التزامات "صداقة وعداء" في سياسة الدول بل مصالح، والفرق هو أن نظام الأخلاق والقيم ثابت ومستقر، أما نظام المصالح فيتبدل باستمرار، فلا يثبت على حال. وهكذا، ندرك أن الولايات المتحدة وهي التي تملك أكبر قوة عسكرية، تحرك تلك القوة لمصلحتها هي، فهي ليست قوة لحفظ السلام الدولي! والأمر كذلك بالنسبة لروسيا، التي لرئيسها بوتين كذلك طريقة فارقة للتعاطي مع الشأن الدولي، بأن يُحرك جنده قبل تحريكه لدبلوماسييه، فيما يبدو! مما يُبرر القول إن عالمنا يعايش تبدلاً عاتياً نتيجة لتبادل الأدوار بين الولايات المتحدة وروسيا، فالأولى قررت ترك عصاها الغليظة، حيث أصبح خيار أوباما الأول يتمحور حول توفير المال وخلق وظائف، أما روسيا، فلم تُضَيِّع وقتاً، إذ اختطفت تلك العصا فاحتلت القرم دون أن يَرف لبوتين جَفن! ومن زاوية أخرى، يبدو أنه تبديل أدوار بين الدولتين، فعندما احتلت أمريكا العراق كانت روسيا "تشتغل" بالاقتصاد، والآن أمريكا "تشتغل" بالاقتصاد فيما روسيا احتلت القرم وتستعد لفرد جناحيها على سوريا!ما تقدم يبرر للقول إنه يَصعب الارتباط عضوياً مع تلك الدول، فلكل دولة منظومة مصالح تتبدل وفقاً لما يستجد من معطيات يُفرزها الواقع، وهكذا يبدو أن المملكة تعي أهمية توظيف علاقتها الجيدة مع جلّ بلدان العالم، وخصوصاً المؤثرة. فعلى منصة الخطابة في الأمم المتحدة صَعَدَ تباعاً رؤساء الدول الثلاث الأقوى في العالم (أمريكا وروسيا والصين)، والمملكة تُجري مع كل منها حواراً متعدد القنوات ومتنوع المدارات، ولعل الزيارة الرسمية الأخيرة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - يحفظه الله - شاهد على ذلك، فهي زيارة لم تبدأ وتنته بالنفط، كما يريد أن يختزلها البعض. فقد بين الملك لأوباما أن الهدف من القدوم لواشنطن ليس لحاجةٍ سعودية بل سعيٍّ لتعزيز استقرار العالم، كما أن التواصل مع روسيا شهد نقلة تمخضت عن توقيع العديد من الاتفاقات إبان زيارة سمو ولي ولي العهد الأخيرة لموسكو. ومع الصين فقد مَدت المملكة حبال التواصل منذ أن أخذ نجم الصين في الصعود مع تبنيها نظام السوق، لنجد أن الصين تعتمد إستراتيجياً على المملكة لتلبية ما يوازي ثلث وارداتها من النفط. وكما هو معروف، فإن المنظومة السعودية لا تقتصر على القوى الثلاث، بل تشمل الكثير سواها.ولعل من الملائم الإشارة إلى أن المملكة ليست دولة منكفئة على ذاتها، فهي تدرك أنها لها مجال حيوي من المصالح لا بد من الحفاظ عليه وتعزيزه وتقويته باستمرار، وهو مجالٌ متعدد النطاقات؛ خليجياً وعربياً وإسلامياً وعالمياً، إضافة لنُطُقٍ نوعية كالنفط (باعتبار أن المملكة قوة نفطية رئيسية) والاقتصاد (باعتبار أن المملكة عضو في مجموعة العشرين وترتيبها 19 ضمن اقتصادات العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي). ويبدو ألا سبيل للحفاظ على سلامة المجال الحيوي إلا من خلال علاقات تتميز بالندية، وتقوم على تَعدد المصادر إمعاناً في تجنب الاعتماد الهيكلي على دولة بعينها حفاظاً على استقلالية القرار وصوناً للسيادة الوطنية. لعل من المفيد للدول الراغبة في بناء جسور وصلات مستقرة مع السعودية إدراك أن الندية والاحترام هما شرطان ضروريان، يمثلان الأرضية الصلبة التي لا غنى عنها لقيام مصالح مشتركة - متبادلة ومتوازنة - بين البلدان. ورغم بديهية الطَرح، إلا أن هناك من قد لا يدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان وضياع الفرصة.