وتأملوا في الحج .. !!
الحج، عبادة سامية، نقية، نوعية، فيها الكثير من الاختبارات الصعبة للمسلم، وفيها تحديات كبيرة تكمن بين الشكل والمضمون فما أن يخلع المرء ثيابه، ويلبس لبس الإحرام فيتوحد الغني مع الفقير، والوجيه مع البسيط، والغريب مع المستوطن، والمواطن مع المقيم، والبعيد مع القريب تعرف أن الكل توحد في مستوى واحد بشكل عادل ومضمون متحد.وتنتقل إلى الأقوال فتجدها كلها متحدة في منطوق الكل بلا تفرقة، وتذهب إلى الأفعال فتلقاها متشابهة في سلوك الكل تعلم أن الحج يضع الكل في مكان للكل في أعمال للكل، فلا مجال للتنافس فيها ولا مساحة لفروقات الحياة ودرجاتها وتصنيفاتها المختلفة.والحج طاعة تثبّت قيمة التوحيد، وتعزز صفاء العقيدة، وتكرس شدة التعلق بالله عز وجل، فكل الحركات، والكلمات، والسكنات تتجه لتأكيد وحدانية الله بداية بالتلبية لله وحده تعالى وانتهاء بآخر منسك يفعله الحاج، وشاهد ذلك أن الحجيج يأخذون مناسكهم بإخلاص ويقين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - دون توقف وتساؤل، وبلا استفهامات لمَ نفعل كذا، ونترك كذا؟، فقط هم يتبعون سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - دون تردد، ولا تشكك، ولا تذمر، ودونما بحث عن: ما المنفعة وما الحكمة مما يقومون به، هنا تستقر روح المسلم، وترتاح نفسه، ويطمئن قلبه في عقيدة نقية، ومحجة بيضاء، وتسليم خالص.وتتأسى، وتتأسف، وتتألم حين يصف أحدهم نفسه بأنه المؤمن المسلم، وهو قد قطع آلاف الأميال، وتحمل وعثاء السفر، ومشقة الترحال، فتجده يحمل رؤية شاذة، ويأتي ومعه مناسك خاصة بعيدة كل البعد عن مناسك الحج الكريمة، فيلبي، ويرفع يديه، وينادي ويناجي، ويمتنع عن فعل ويفعل ممنوعا، يتبع ظنه البائس، ورؤيته الباطلة. وتنزعج حين ترى البعض يضمر داخل نواياه الملوثة شعارات سياسية، أو غايات مذهبية، أو أجندات شخصية ليعبث بنفسه قبل الحجيج، ويخرج أضغان باطنه ومن خلفه في الحج، وتتحسر ـ حين يعلم أحدهم ـ أن لا جدال، ولا فسوق في الحج ـ لكنه يظن خائبا أن منافع الحج هي التجارة الملتوية، أو إجادة فنون التسويق، وتصريف بضاعته بالاحتيال، والكذب، والحلف، والضجيج، أو تراه صخّابا في التشكي والتذمر ولسانه منطلق بـ «هذا ما هو جيد، وذاك لعب علينا، وذلك لم يأتِ بكذا وكذا، والأكل بارد، والماء ساخن، والدنيا زحمة، وهذا عمل كذا، والآخر فعل كذا، وقال وقيل، وتعبنا وفعلنا وأُرهِقنا وتكلفنا وووو،. "أو تجد يلف ويدور ويحاجج، ويجادل، ويؤذي، ويقفز على الأنظمة، ويتجاوز القوانين،، كل ذلك بمسوغ غير رشيد" خلك ذيب وصرّف عمرك"، فما هكذا الحج أبدا. وتأملوا، بفضل الله ومنته وكرمه علينا أن خصّ بلادنا بذلك، فهي دولة تبني، وتوسع، وتنظّم، وتدير، وتستقبل، وتستضيف ملايين الحجاج، وتجهز كافة الترتيبات، وتهتم بكافة الأمور لأجل هؤلاء الضيوف، وتجنّد مئات الألوف من رجال الأمن، والدفاع المدني، والصحة وغيرها، وما سألنا عن الجزاء، ولا عن المقابل، والمردود، ولا عن المكاسب المادية ولا الإعلامية، ولا بحثا عن إثارات، ولا عن عوائد منفعية، وما وظفت الدولة الحج للربح، والحلول والاستثمارية، أو الفنون الاقتصادية، كل ذلك نحسبه تطبيقا حيّا أننا بلاد خدمة الحرمين، فلله الفضل والمنة.