لو أصبح مبصرا «1»
هل ترافقني في الفرار من هذا الواقع البائس؟ أعتقد بوضوح أنك ستسارع إلى ذلك، فأنت مثل الآخرين لست بعيدا عن حمم براكين هذا الواقع.. ولكنك ستسأل: ترى نفر إلى أين؟هناك أيها الصديق من فروا قبلنا في وديان التاريخ لنتبصر دروبهم ثم نختار ما هو أقصرها وأكثرها إضاءة.. وهذا بعضها:فهناك من فر إلى «اللامبالاة» مكتفيا بأكل الخبز «بالجبن» وبنوم سرمد بلا أحلام ولا أظنك ترغب في سلوك هذا الطريق فهو هزيمة نفسية، إنه فرار من الذات «الإنسانية» قبل أن يكون فرارا من الواقع.وهناك من فر إلى «الميتافيزيقا» وهذا طريق عبده الطغاة لسلب الإرادة الإنسانية وجعل الفرد مشلول الرؤية راضيا حتى بالسهام التي تمزقه.. ولا أظنك ترضى على نفسك هذا الخنوع الذي لا يعرفه إلا القطيع.وهناك من فر إلى الأمام.. إلى المزيد من الإقدام وهو ما يسمونه «النضال» ضد بؤس الواقع وجعل الوعي الاجتماعي أكثر إدراكا لما هو عليه من الظلام وبالتالي محاولة تغييره.. وهذا طريق لا يستطيع السير فيه إلا من لا يهمه أن تكون حياته هدفا للسهام.. فدعنا أيها الصديق نبتعد عنه.وهناك أيها الصديق من فر إلى «الشعر» وهو –كما علمت– غابة مترامية الأطراف مكتظة بالأشجار الباسقة والجرداء وبالأنهار الحلوة والمالحة وبالوحوش المفترسة والنباتية.. وأعجب ما في الشعر والذي يسمونه أحيانا «عبقر» نسبة إلى المكان الذي ينبت فيه.. أن في عبقر هذا واديا واسعا أوسع من وديان كل الصوفية مجتمعة.. وفي هذا الوادي كرة قدم يسمونها «البلاغة» يلعب بها كل جيل يأتي إلى هذا الوادي.. ولكن لم ير التاريخ صبية يلعبون بها إلا في زماننا هذا، وإذن ما رأيك يا صديقنا أن نذهب معا إلى هذا الوادي؟ صحيح أننا لسنا شاعرين لكن على الأقل نلعب مع الصبية كرة قدم البلاغة..أرى على وجهك ظلالا بيضاء من القناعة بأن الذهاب إلى الشعر هو أغنى الطرق بالمصابيح وأنك في شوق إليه.. ولكني لا أشاطرك هذه اللهفة إليه وعليه فقد سمعت أن عبقر هذا واد يسكنه الجن وأن كل شاعر يدخل إليه يصاحبه أحد الجن.. وأنا أخاف من ظلي فكيف بالجن؟!- أين تذهب إذن؟- أذهب إلى الأسطورة وبالذات أسطورة كيوبيد متسائلا: «لو أصبح مبصرا».