سكينة المشيخص

رائحة لبنان وسلبية التظاهر

في رواية "تحت غابة اللبن" تقول ربة البيت "قبل أن تسمح للشمس بالدخول، احرص على أن تمسح حذاءها" ذلك يتجه بنا الى الدخول من عالم التفاصيل التي تعمل على تسطيح الأساسيات والانصراف عنها الى أمور أصغر، فدولة مثل لبنان تعيش حالة سياسية غير مستقرة، ولم تتفق على رئيس رغم مرور أكثر من ثلاثين محاولة، تجدهم يتظاهرون من أجل نفايات كان بالإمكان أن يتطوعوا في حالة مجتمعية لإزالتها بجهود ذاتية بدلا من أن يضيفوا الى أعبائهم عبئا جديدا.لأحد الحكماء، واعتقد أنه كونفشيوس، مقولة يقول فيها "لو أن كل أحد قام بتنظيف أمام بيته لأصبح العالم نظيفا" ولكننا نميل الى اتكالية تكسر عنق الحقيقة، وصحيح أن ذلك من واجبات الحكومة ووزارة البيئة، إلا أنه في حال وجود أي عارض أو مشكلة تنفيذية فالأحرى بأن ينطلق المواطنون الى استنفار لإزالة النفايات بدلا من التكوّم في وزارة حكومية وتعطيل العمل القليل الذي تقوم به، وكان بالإمكان التعامل مع الوضع في إطار حالة استثنائية طارئة تتم معالجتها بجهد مجتمعي الى حين تستأنف الوزارة أعمالها بالصورة المطلوبة.لا يضر اللبنانيين الذين شغلوا أنفسهم بتظاهرات من أجل إزالة النفايات لو أنهم تداعوا الى الأوساخ وأبعدوها بأنفسهم، ولا يعقل عدم وجود شباب متطوعين في جمعيات مدنية يسدون الثغرات الحكومية ويخدمون مجتمعهم بدلا عن تضييع الوقت في التظاهر واحتلال الوزارات للتعبير عن الاحتجاج، وكأن قنبلة نووية سقطت في بيروت، فذلك غير منطقي ولا يمكن تحميل الوضع أكثر مما يحتمل، فالوضع الأمني والسياسي في بلادهم لا يتحمّل مثل هذه الاضطرابات الثانوية التي يمكن علاجها بقليل من الصبر وكثير من الجهد الذاتي والاجتماعي، إلا في حال أن كان المواطنون يستنكفون عن العمل المدني التطوعي ويرونه عارا لا يليق بهم، رغم أنه أحد أنبل الأعمال.لا يمكن أن يكون هناك أي عيب في أن ينظف أحدنا حرم بيته كما ينظفه من الداخل، وليس خطأ أن يسهم أبناء الحي الواحد في إزالة نفايات تأخرت عنها سيارات البلدية أو تجاهلتها، وكان الأحرى بأولئك الذين يستمتعون بالتظاهر وإهدار وقت ثمين في الاستعراض الحضاري أن يتجهوا الى سيارات النفايات ويقودوها ويزودوها بالوقود ويتجهوا بها مرامي النفايات ويحملوها ويتجهوا بها الى المواقع المخصصة لها، هكذا يمكن تقسيم العمل بدلا من التباكي وتأزيم الأمور في بلد متأزم سياسيا، وبحاجة الى أدوار وطنية أكبر من التجمعات التي يمكن اختراقها لإثارة الفوضى وتهديد أمنهم الوطني والاجتماعي.