مقاطعة سوق السمك وقهوة الشانزليزيه
تعتبر الصدقة الخفية من أفضل الأعمال الخيرية التي من الممكن أن يقدمها الإنسان لأخيه الإنسان. فمن يعطها فله أجر عظيم لأن متلقيها لا يعرف أنها صدقة. والصدقة الخفية تكون عادة عندما يقوم البائع ببيع بضاعته بسعر أقل للمشتري إذا علم أنه من الفقراء. ففي هذه الحالة يكون البائع في الحقيقة قد تصدق على المشتري المحتاج ولكن دون أن يحس أنه تلقى أي صدقة. وهذا ينطبق أيضا على المشتري إذا أراد أن يساعد البائع الذي يكون ذا حاجة بعدم مجادلته في السعر (مكاسر). ومثال على ذلك من يقوم ببيع المنتجات الزراعية من منتجات يطلق عليها اقتصاديا بضاعة قابلة للتلف (بيريشابل قودز). فبائع الفاكهة أو الخضرة لو لم يبع بضاعته اليوم فقيمتها تقل بسرعة أو قد تتلف تماما. وهذا يختلف عن المواد الأخرى ذات الصلاحية طويلة المدى. ولكن هناك بضاعة ليست فقط معرضة للتلف السريع أو فقدان القيمة السوقية بسرعة, بل انها موسمية. ألا وهي تجارة صيد وبيع الأسماك التي يعتبر العمل فيها من أخطر المهن في العالم بسبب تقلبات البحر وأخطاره. ولذلك فإن كان موسم الأسماك محددا بوقت معين والأسماك بضاعة لا بد من بيعها في الحال أو تفقد جزءا كبيرا من قيمتها لعدم كون السمك طازجا بعد مرور أي وقت. ولهذا السبب لا يوجد اي مبرر بالمطالبة بمقاطعة سوق الأسماك للحصول على أقل سعر للأسماك أو الربيان. وليس رخص المنتجات الزراعية أو الاسماك ظاهرة صحية. فعندما تكون تلك السلع رخيصة فلن يكون هذا عاملا مشجعا للمزارع أو صائد الأسماك على الاستمرار في هذه المهنة. وفي هذه الحالة سيقوم المواطن بالانسحاب من تلك المهنة وقد يستحوذ عليها الأجنبي لانهم كما يقولون (الشغلة ما تسوى). وقد رأينا مرارا كيف أن بعض المناطق في المملكة يصل سعر صندوق من الفلين مليء بالخضرة إلى ثلاثة ريالات (أرخص من قيمة الصندوق). وهذا مضر بالمزارع الذي قد لا يزرع السنة القادمة وسيكون الاستيراد من الخارج هو أحد الحلول. وفي هذه الحالة لو قام الزبون بدفع ريالات بسيطة زيادة للبائع فلن تضره ماديا, ولكنها ستنفع البائع والذي سيكون هذا تشجيعا له للاستمرار في الزراعة. وقد رأينا ذلك مرارا عندما تضرر مزارعو النخيل وقت الصرام عندما هبط سعر المن من التمر. ولهذا السبب تحرص الدول الصناعية أن لا تنزل قيمة المواد الغذائية عن سعر معين لكي لا يخسر المزارع وعندها لا يستطيع تسديد اي قرض خاص باستثماراته في مجال الزراعة. ولهذا فحملة مقاطعة الأسماك شيء غير مبرر, خاصة إذا علمنا ما يتحمله صائدو الأسماك. والغريب في الأمر هو أننا لم نسمع بطلب مقاطعة خطوط الطيران في موسم الصيف أو العطل عندما أصبحت قيمة التذاكر أضعاف ما هي عليه. فهل من المعقول أن يكون قيمة فنجان قهوة في أحد مقاهي الشانزليزيه أعلى من قيمة كيلو سمك (الكنعد). فلماذا لا تقاطعوا شارع الشانزليزيه بدلا من مقاطعة بائع السمك المحتاج؟