سالم اليامي

الدولة المريضة

على إثر الأخبار التي أفادت بنجاح قوات الأمن الوطنية في اعتقال المسؤولين عن التخريب الذي حدث في مدينة الخبر بتاريخ 23يونيو 1996م بعد هذه السنين الطويلة، اتصلت بأحد أفراد العائلة الذين كانوا يقيمون على مسافة مئات من الأمتار من موقع الحدث. واستعدت معه الذكريات حول التفجير الإرهابي الذي وقع في ذلك التاريخ، قبل العاشرة ليلاً ببعض الدقائق، ووصف لي أنِّ وميضاً هائلاً سدّ الأفق وأجهر الأبصار لبضع ثوان، قبل أن يدوي صوت انفجار هائل، ويغطي كل المنطقة، تعقبه موجة غبار شديدة ملأت المكان، ثم ثارت أصوات صراخ الناس، الأطفال والنساء والكبار في السن في مشهد مفزع، وحدثني بلوعة عن عشرات الضحايا الذين تكدسوا في غرف الطوارئ بالمستشفيات الذين استقرت قطع زجاج النوافذ وأشلاء أجهزة التكييف في مواضع مختلفة من أجسادهم. قال بتأثر لمسته رغم أن الحديث عبر الهاتف: كانت الوجوه والجباه تنزف، والصدور والأيدي، والأرجل. كانت ليلة ذهب فيها الهدوء، وعكر صفو الحياة الإرهاب الذي لا يزال في ذاكرة الناس. بعد محادثة قريبي المؤثرة وقفت في مفترق طرق من الجهة التي فعلت ذلك بالناس الآمنين. سواء أكانت تستهدف أفراداً في البعثة الأمريكية، أم تستهدف السعوديين، وأطفالهم، وأمنهم واستقرار دولتهم. أقول ذلك لان الحديث كَثُر حول المواطن السعودي أحمد المغسل، وأختصر كل ما سمعت وقرأت عنه بأنه لا يعدو كونه إرهابيا باع ضميره وإنسانيته ووطنه للعدو المتخفي والمتربص بنا في أقنعة الجوار والإسلام. وكما يعرف كل من يتابع الشأن الأمني، والأحداث الإرهابية التي شهدتها بلادنا، تتوجه دائما أصابع الاتهام للمصدر الأساس للتخريب والعبث بأمن ومستقبل المنطقة دولة إيران. ويبقى كل ما عدا ذلك من تنظيمات، وشخصيات وأحزاب وهمية، أعلن عنها طوال كل هذه الفترة، يبقى كل ذلك مخلب قط ثانويا استخدم لتنفيذ الغدر والتخريب، ثم القي به إلى سلة النسيان. لا اعتقد أنه بقي لدى أي منصف ذرة من التحفظ أو التحوط حول إطلاق لقب الدولة المريضة والمخربة على جمهورية إيران.إيران دولة مريضة بمتلازمة التخريب وزعزعة استقرار البلدان العربية في منطقة الخليج. والتخريب كما يعرفه المختصون من الظواهر اللافتة التي عرفها المجتمع الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ويوصف التخريب بوضوح بأنه "العدوان غير المباشر" . وتؤكد الدراسات المعمقة في علم الاجتماع السياسي أن الدول التي تستخدم التخريب عادة ما تكون معروفة في المحيط الدولي بحبها للفوضى، ورغبتها الجامحة لإحداث خلل ودمار في الدول الأخرى، ويكون سعي هذه الدول المريضة بالشر موجها إلى تدمير الحياة السياسية في الدول الأخرى، عبر عدة صور كإسقاط النظام السياسي، أو احتلال البلاد، أو إقامة نظام عميل. والهدف من وراء كل ذلك زيادة نفوذ الدولة المُخربة السياسي، وتحقيق سيطرتها على الدول الأخرى عبر القوة المرسلة بصورة لا مباشرة. ما يميز التخريب كعمل من أعمال مناهضة السلطات المستقرة داخلياً هو مؤازرة قوى خارجية تحاول أن تستغل العناصر الغاضبة لأي سبب في الداخل. وذلك لتحقيق مصالحها، أي مصالح الدولة المخربة لا مصالح الغاضبين. تقول المصادر العلمية إن التخريب يجنب الدول المخربة أمرين، الأول، المواجهة العسكرية المباشرة التي قد تكون غير قادرة أو راغبة في خوضها، الثاني، تأنيب المجتمع الدولي لكون التخريب محرما دوليا، حيث يتعارض صراحة مع التعهدات التي تتضمنها المواثيق الدولية. المفيد، أن التخريب أداة عملية فعالة في إرضاء تطلعات بعض الدول المريضة إلى الهيمنة والسيطرة الدولية والإقليمية. المرض يصيب الدول كما يصيب الأفراد، ومع ذلك هناك الكثير من السبل والوسائل للعلاج والتقويم قد نجد متسعا من المساحة والوقت للكتابة عنها مستقبلاً.