د. أمل الطعيمي

مشية الغراب

قالوا للعرب ما هذه الغلظة في معاملة أبنائكم؟ وما هذه القسوة التي دمرت نفسياتهم وجعلت منهم شخصيات منقادة وعنيفة لا تعرف شيئاً من اللطف، فتقسو على نفسها وعلى من حولها!! لماذا تضربونهم من أجل الدرس أو الطاعة العمياء لكم؟ لماذا تكممون افواههم حتى فقدوا القدرة على التعبير عن رغباتهم وعواطفهم وانفعالاتهم! لماذا لا تحسنون معهم سوى الإجبار على ما تريدونه منهم ولا تنظرون أبداً لما يريدونه هم؟ تكاثرت الأسئلة حول الأسلوب العربي الصارم في التربية القديمة ذلك الذي يعتمد على الضرب والتوبيخ والإقلال من الشأن والقمع الفكري والعاطفي، وكانت النتيجة أننا بدأنا نعيد النظر في حساباتنا التربوية ونقول نعم صدقتم يا أرباب التربية الأمريكية والأوروبية الحديثة! فقد كنا غلاظ القلب والعقل ولطالما تلونت وجوه أبنائنا وأقدامهم وظهورهم من شدة الضرب أو (القرص) منا ومن معلميهم الذين كنا نسلمهم لهم ونحن نفاخر بأسلوب الغلظة المتفق عليه فنوصيهم (لكم اللحم ولنا العظم)! وبدأنا نلين ونتجنب العصا ونخنق الكلمة قبل أن تخرج من أفواهنا حتى لا نسيء لأبنائنا، وتوقفنا عن الضرب وتوقفنا عن التوبيخ واتبعنا ما نصحنا به أرباب التربية الحديثة وصرنا نتحدث بلطف وبصوت منخفض، وسنت القوانين لمعاقبة من يضرب ابنه أو طالب العلم لديه. امتنعنا عن كل ما يسيء واستبدلناه بكل قول حسن وفعل أحسن فبقي الثواب واختفى العقاب لأننا لا نملك أدوات المعاقبة التي يملكها أولئك الذين يطردون أبناءهم من البيوت إذا كانوا عبئاً عليهم، أو يخيرونهم بين الخروج من البيت أو دفع مبلغ من المال مقابل سكنهم ومشربهم ومعنى هذا أن أبناءهم سيخرجون للبحث عن عمل.. أي عمل: نادل في مطعم أو عامل في محطة البنزين أو عامل يقوم على تنظيف السيارات أو يُحمّل البضائع على رصيف ميناء. ولم نعلمهم أن يتركوا غرفهم نظيفة كل صباح وإذا لم يفعلوا فستبقى كما هي ولن يقترب منها أحد للتنظيف. وبكل الحب كنا نقدم لهم كل ما يريدون من طعام وشراب وملبس وأدوات ترفيهية ونزهات ولا نجعلهم يشاركوننا برفع صحن أو إفراغ قمامة أو كي قميص أو شماغ، وفهمنا خطأ أن التربية الحديثة تقول لا عنف ولا اجبار بأي شكل من الأشكال فقلبنا الحال إلى أمر مختلف تماما وأغدقنا عليهم الدلال ومتعناهم في راحة مستمرة. ولكن لماذا يرسبون؟ ولماذا لا يقرأون؟ ولماذا لا يحسنون التعامل مع الأحداث مهما كانت بسيطة؟ ولماذا يثورون حنقاً وغيظاً من كل ما يعطل رغباتهم ولو لدقائق معدودة؟! ملأنا البيوت بأنواع مختلفة من الألعاب اليدوية والاليكترونية، ومع هذا مازال الملل سيد الموقف، والتذمر مستمرا لا يتوقف! لم تعد عيونهم تبتهج إلا كلمح البصر ثم يعودون لسابق عهدهم المفعم بالضجر وجحد النعم. وتدريجياً بدأ التسرب من المدارس يتضاعف وبدأت تظهر علامات الاتكال على من مازالوا على مقاعد الدراسة، فإن لم يكن هناك معلم آخر في المساء فلن يذاكر الأبناء دروسهم. ومع دور المعلم في البيت وفي المدرسة ها هم الأبناء لا يفرقون بين اللام الشمسية أو القمرية، ولا يحسنون وضع الهمزات في أماكنها ففقدوا حتى القواعد الأولى للتعلم. وعندما تقترح عليهم قراءة كتاب ما سيقلبون الأمر إلى سخرية مرة على حالهم دون علمهم. ماتت فيهم القدرة على التعلم والتطور والمشاركة في الحياة إلا حينما تكون هناك تسلية ما أو عبث ولهو من أي نوع كان! أما ما يتطلب الجدية والالتزام فلم يعد له مكان بينهم. وماذا بعد؟ أين المنطقة الوسطى بين هذا وذاك؟ أين قدراتنا على التمييز بين نتائج التربية القديمة المتميزة ونتائجها السيئة؟ لماذا فقدنا القدرة على الانتقاء من كل أسلوب أجود ما فيه حتى ضعنا كما ضاع الغراب الذي أراد أن يقلد مشية الحمامة التي أعجبته ولكنه لم يتقن مشيتها رغم المحاولات المستمرة ولم يحسن العودة الى مشيته السابقة!!