تشخيص واقع الممارسة السياسية عند الحركات الإسلامية
قبل فترة نفضت قهوة الصباح الغبار عن كتاب للدكتور عبدالله النفيسي (أيام العمر الماضي)، وهو كتاب خفيف يسرد فيه الكاتب حياته الشخصية بدْءاً من مراحل تعليمه في مدرسة فكتوريا في مصر مرورا بالجامعة الأمريكية في بيروت وانتهاء بكامبردج في انجلترا ثم ينتقل الكاتب بعد ذلك للحديث عن مساره الوظيفي متنقلا من بلد إلى آخر. ولي عودة إلى هذه المحطات بالتفصيل التي حاول فيها النفيسي بذكاء تفسير كثير من الأحداث والمواقف التي كان يوجد فيها لاحقاً إن شاء الله، إلا اني هنا سوف اكتفي بسرد ملاحظاته على الجماعات الإسلامية من خلال عمله معها خلال الانتخابات في الكويت مع شيء من التحليل والاضافة. ومهما اختلفت مع الدكتور النفيسي في بعض الأفكار او الآراء إلا انك لا تملك إلا أن تحترمه، رجل صريح وواضح وشفاف. الملاحظة الأولى: جماعة الحلول الصفريةإن هذه الجماعات تؤمن بـ (الحلول الصفرية) للمشكلات، يعني إما أن يكون (الحل) متطابقاً 100٪ مع مطروحاتها وإلا فلا، مما انعكس على العلاقات السياسية لهذه الجماعات، وأدى إلى زيادة عدد الخصوم لهذه الجماعات وهذا عكس تماماً المقصود من العمل السياسي ومن ضمنه الحملات الانتخابية. ولعلي اضيف هنا ان هذه اللعبة الصفريةzero Sum game والتى يمكن ترجمتها ببعض التصرف «إما نحن أو هم» كانت واضحة جدا في فترة حكم مرسي في مصر، فقد مضت جماعة الاخوان باتجاه التصعيد مع أغلبية القوى السياسية والاجتماعية في مصر حتى التي ايدتها منذ البداية كحزب النور السلفي أو حزب مصر القوية، مما جعلها تعيش حالة من العزلة داخليا. فهذه السياسة الصفرية كانت هي القاعدة التي حكمت قرارات مرسي منذ توليه الحكم ابتداء من صدامه مع القضاء مرورا بالاعلان الدستوري وانتهاء بالصدام مع الشعب في 30 يونيو. فعقلية الحصار والسياسة الصفرية ونزع الحلول الوسطى كانت ولا تزال هي القاعدة الحاكمة لمنطق الاخوان في الممارسة السياسية. الملاحظة الثانية: حاجة الجماعات إلى الإرشاد السياسيإن هذه الجماعات تعتقد أن الفوز في الانتخابات هو الحل الأمثل لاستئناف حياة إسلامية كاملة وشاملة في الدولة. وهذا كما يقول النفيسي تبسيط مخل للموضوع وتسطيح له ويعود إلى خلل في الفهم السياسي أو (الإرشاد السياسي) كما يقول النفيسي. «فاستئناف حياة إسلامية كاملة وشاملة لا يتم أو يتحقق بـ (قرار سياسي) بل بـ (قرار شعبي) من تحت يفرض نفسه على القرار السياسي»، وهذا القرار الشعبي كما يعتقد النفيسي لم يتحقق حتى الآن حتى لو أن الإسلاميين سيطروا -من خلال أغلبيتهم- على البرلمانات. ولعلي اضيف شيئا اخر هنا ان الفوز في الانتخابات ايضا لا يضمن مشروعية مستمرة لهذه الجماعات في الشارع وأن استخدامها لمواجهة الشارع كما عملت وتعمل حركة الاخوان في مصر معناه احداث شرخ في المجتمع بين المصوتين وغير المصوتين وهذا يعود برأيي إلى خلط هذه الجماعة بين المرجعية الدينية والقوة الاجتماعية والاصوات الانتخابية التي تقود، مما يؤدي في النهاية إلى سوء تقدير للقياس الحقيقي للقوة الاجتماعية لهذه الحركة. فعدد الاصوات لا يعني بالضرورة القوة الاجتماعية للحركة. وهذا ما لم تفهمه حركة الاخوان في مصر التي راهنت على الشارع فخسرته في ثورة 30 يونيو 2013 التي اسقطت محمد مرسي. الملاحظة الثالثة: سهولة الاستدراج إلى حروب الوكالةإن هذه الجماعات من الممكن استدراجها لحروب وكالة War By Proxy وحرفها عن (مشروعها) وزجها في صراع مع تيارات لا يستطيع (النظام) أن ينجح في مواجهتها وفق تكتيك (فخار بيكسر بعضه). لقد استعمل عبدالناصر اليسار المصري بكل أطيافه لمحاربة التيارات الإسلامية في مصر، ولقد استعمل السادات التيارات الإسلامية بكل أطيافها لمحاربة اليسار المصري. الملاحظة الرابعة: جمهور هذه الجماعات يتكون من الفئة غير القلقةمن جهة التشكيل الطبقي Class Structure في هذه الجماعات، فإن جمهورها من القاع الاجتماعي وإذا كانت شرائح المجتمع ممكنا تقسيمها إلى أربع فئات: الفئة الحاكمة، والفئة الساعية للحكم (الوزراء والمدراء والمستشارين وغيرهم)، والفئة القلقة (صانعي الرأي العام)، والفئة غير القلقة (هي قاع المجتمع من مواطنين عاديين جداً); فإن جمهور هذه الجماعات يتكون من الفئة غير القلقة. وهي فئة تعتبر عبئا ثقيلا على الجماعات وعلى هيكلها فهي أشبه ما تكون بالسمنة الورمية التي ترهق الهيكل Skeleton وترهق القلب والعقل و(الإدارة) داخل الجماعة. الملاحظة الخامسة: ضرورة إعادة توجيه الخطاب إلى الفئة القلقةتتعلق بخطاب هذه الجماعات عبر المساجد والمحاضرات والأشرطة والكاسيتات والفيديو والمدارس والجامعات والتلفاز والإذاعات، إذ يلاحظ أن الخطاب موجه لهذه الفئة غير القلقة وهي فئة مع كامل الاحترام لها كما يقول النفيسي لا تستطيع أن تسهم في الارتقاء بالجماعة لأنها من حيث التكوين الفكري غير قادرة على ذلك. وبالتالي لا بد من توجيه خطاب الجماعة إلى (أعلى) أي إلى الفئة القلقة وفئة الساعين إلى الحكم وفئة الحكم لتحقيق درجة من الاختراق في طلب النصرة الفكرية والسياسية من هذه الفئات المهمة والحساسة. وان كنت اعتقد شخصيا ان الاشكالية بالاضافة الى توجيه الخطاب هي في لغة الخطاب نفسه الذي غالبا ما يكون خطابا سطحيا يعيش على الشعارات والتأزم الفكري والتعصب المذهبي والمفاهيم العامة التي تمزج قل أو كثر، من الفنتازيا الحماسية والتي ادت في النهاية الى خروج جيل يعيش على الانطباعات العامة والتعصب والوجبات الفكرية السريعة.