وسائل التواصل.. أم العزل؟
لم يعد مجهولا لدى الجميع مسمى (وسائل التواصل الاجتماعي) التي تشمل «فيسبوك» و«تويتر» و«انستغرام» و«واتساب» وأخواتها، وهو مسمى في غير محله، فهذه الوسائل أصبحت للعزل الاجتماعي وليست للتواصل الاجتماعي، لأنها كثيرا ما تصرف من يمارسها عن كل ما حوله، ليعيش في عالم آخر ينقله بعيدا عن الواقع الذي يعيشه بالفعل، ولم يعد مستغربا أن نرى مجموعة من الناس الذين يضمهم مكان واحد، وقد يكونون أفراد أسرة واحدة، ومع ذلك يعيش كل فرد منهم بعيدا عن الآخر ربما مئات أو آلاف الأميال، فهو منغمس - عما بجواره - في عالم بعيد عن واقعه، يجعله في عزلة تامة عن كل ما حوله، وليس دائما أن تكون هذه العزلة مع أشخاص آخرين، بل قد تكون تطوافا فرديا حرا في عوالم المحظور فيها أكثر من المباح، وفي فضاء مفتوح للجميع، لم تنفع كل التحذيرات من ولوجه والتنقل في أجوائه، ولدرجة قد تشغل وقت المتصفح عن واجباته الأسرية والاجتماعية وربما الدينية والعياذ بالله، إلى جانب ما تحمله من تشويه للواقع، وتشكيك في مسار الأحداث السياسية والاقتصادية وغيرها، وتقف وراء هذا الهدف جهات ذات إمكانيات ضخمة يهمها تضليل المواطن، وتغييبه عما يدور حوله من أحداث، ونزع الثقة منه حيال أمنه وازدهار مجتمعه وتطور بلاده، وانتصاراتها المظفرة في حربها مع أعدائها. فهل هذا هو التواصل الاجتماعي؟.قد تصبح هذه التسمية صحيحة لو التزم الناس باستخدام هذه الوسائل لمعرفة أحوال بعضهم، ومتابعة أخبارهم، والتعرف على المستجدات في حياتهم، ومتابعة منجزات العصر في العلوم والآداب والفنون، لكن المسألة تعدت ذلك إلى ممارسات غير محدودة تغري الكبار والصغار، وهم الأكثر تضررا من الكبار، حيث تنعدم الرؤية الحقيقية للأمور، كما تنعدم القدرة على التمييز بين الغث والسمين، والأسوأ أن بعض الكبار الذين يفترض أن يراقبوا الصغار ليمنعوا وقوعهم في مثل هذا الأمر، أقول إن بعض هؤلاء الكبار يحتاجون إلى من يراقبهم، حين ينشغلون أيضا عما حولهم بالتجول في المواقع المحظورة، دون أدنى شعور بالذنب، أو إحساس بالمسؤولية الأخلاقية تجاه أنفسهم، وأسرهم ومجتمعاتهم، وكثيرة هي الحالات التي أفرزت شتات بعض الأسر، بسبب الاستعمال الخاطئ لهذه الوسائل. وهذا السلوك قد يصرف قائد المركبة عن الانتباه لأخطار الطريق، فتنجم عن ذلك كوارث لا يعلم إلا الله فداحة عواقبها، وقد تشغل الموظف عن القيام بواجباته الوظيفية، فقط لأنه مشغول بجواله، لا يعنيه من الدنيا سوى ممارسة هذه العزلة الاجتماعية، في عالم لا يمكن السيطرة على فضاءاته، أو معرفة محتوياته، إلا للمتصفح وليس غيره، والحال مع بعض الموظفين لا يختلف معه الحال مع بعض الطلاب أو حتى تلاميذ المدارس الابتدائية، بعد أن أصبح "الجوال" متاحا بأيدي الصغار كما هو بأيدي الكبار، ومع توفر "الانترنت" في كل مكان، تصبح السيطرة على هذا الأمر مستحيلة، ومع أن الآباء يدركون خطورة توفر الجوالات بأيدي الصغار، لكنهم لا يمنعونهم من استعمالها، وكيف يمنعونهم وهم الذين يوفرونها لهم دون تفكير في الآثار السلبية التربوية والسلوكية والأخلاقية والجسدية والعقلية التي تنتج عن استعمال الصغار لهذه "الجوالات"، ومعظمها من الأنواع المتطورة تقنيا، وهي المتوفرة أكثر في السوق، والمسماة بالجوالات الذكية، حيث الإقبال عليها غير محدود. هذه الفوضى في استعمال "الجوالات" تدعو إلى وقفات صادقة مع النفس، وتفكير عميق في النتائج السلبية والمدمرة المترتبة على هذه الفوضى، للحد من التردي الأخلاقي التي بدأ يتسرب إلى المجتمع، وأحد أسبابه هذه الوسائل المسماة (وسائل التواصل الاجتماعي)، ولو أنصفوا لسموها (وسائل العزل الاجتماعي)، لأنها تحول بين الإنسان ومن يجلس بقربه، حتى لو كان أقرب الناس إليه، مثل أمه وأبيه، أو زوجته وأبنائه وبناته.فهل هي فعلا وسائل للتواصل الاجتماعي، بعد كل هذا الانعزال الذي تفرضه على مستخدميها؟.