د.ابراهيم العثيمين

الصين والخليج والتطلع لدور أكثر فاعلية في القضايا السياسية

لما كنت صغيرا كان الاساتذة دائما يكررون هذا الحديث وان قيل انه غير ثابت «اطلب العلم ولو بالصين» وكنت بعدها اسرح في هذا الحديث. ومنبع عجبي هو في آخر الحديث عندما يقول صلى الله عليه وسلم «الصين» فأرجع للبيت ولا تزال نبرة صوت الاستاذ ترن في أذني عندما قال الصين، واتخيل كيف شكل هذا الصين العجيب وهيئته. ثم يزيد من تعجبي عندما يأتي مدرس الجغرافيا من اليوم التالي ويسألنا عن عجائب الدنيا السبع ثم يقفز البرنس (مصطفى) ويجيبها كلها ويذكر «سور الصين العظيم» متجاهلا الأنظار الموجّهة نحوه والحانقة عليه. ثم لما تخرجت من الجامعة وسافرت الى كندا للدراسة توقفت في مطار هونج كونج فكانت من أطول الرحلات، فترسخ في ذهني ان المسافة التي تفصل بيننا وبين الصين مسافة شاسعة في الجغرافيا يفصل بيننا آلاف الأميال. لكن هذه القناعة أصبحت تتغير يوما بعد يوم، وتولدت لدي قناعة اخرى بانه رغم المسافة التي تفصل بيننا وبين الصين إلا ان الثقافة والاقتصاد والسياسة قلصت هذه المسافة وردمت هذه الفجوة. فعلى المستوى الثقافي تضرب العلاقات الصينية- الخليجية في أعماق التاريخ، فقد تواصل العرب والصينيون منذ قرون عديدة. ومن خلال هذا التداخل الحضاري بين الجانبين تعرف الشعب الصيني على الثقافة العربية وعلى الحضارة الإسلامية مما أثر في تاريخ الشعبين العربي والصيني وترك بصمات عميقة على حياة الناس وثقافتهم وذاكرتهم الاجتماعية. بل ان كثيرا من الشخصيات الكبيرة التي كان لها أثر في الثقافة العربية كانت من أصول صينية والعكس صحيح. أما في مجال الاقتصاد، فترتبط دول الخليج والصين بعلاقات اقتصادية قوية ومتينة. فمنذ عام 2003 وحتى الآن دخل الاقتصاد الصيني إلى درب النمو السريع، وتزايد الاندماج الاقتصادي الصيني في الاقتصاد العالمي على نحو قوي وأصبحت الصين مساهما ديناميكيا فاعلا في الاقتصاد العالمي. هذا النمو الاقتصادي المستمر للصين خلق ارتفاعا كبيرا للطلب على الطاقة. فالصين نقلا عن تقرير وكالة الطاقة الدولية تخطت الولايات المتحدة لتصبح أكبر مستهلك للطاقة في العالم في عام 2015. 60 إلى 70 بالمئة من استهلاك الصين للنفط يكون من منطقة الشرق الأوسط والخليج. وبالتالي نتج عن هذه التغيّرات بروز الاهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج العربي، حيث ستظل الصين تعتمد بما لا يقل عن 70% من احتياجاتها من النفط الخام من الخليج العربي وذلك لسد حاجتها النامية. وعليه فقد تعززت العلاقات التجارية بين الصين ودول المجلس الخليجي، فالصين أصبحت في السنوات الأخيرة أحد أهم الشركاء التجاريين لدول مجلس التعاون، حيث تضاعف حجم التبادل التجاري من نحو (12.3) بليون دولار في عام 2001، إلى حوالي (177) بليون دولار العام الماضي (2013). وعليه فإن مصالح الصين الاساسية المتعلقة بالنفط والتجارة ترتبط إلى حد كبير بتفاعلاتها مع منطقة الخليج. فأمن الطاقة على صلة وثيقة بالأمن الإقليمي الخليجي، وان أي انقطاع لإمدادات النفط من الخليج سيسبب عواقب كارثية على الاقتصاد الصيني. وبالتالي ففي ظل التحولات الخطيرة التي عصفت بمنطقة الشرق الاوسط والخليج بعد ما عرف بـ «الربيع العربي»، اصبحت هناك حاجة ماسة للحديث عن ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تدفع بالعلاقة من مجرد الشريك الاقتصادي إلى شريك استراتيجي لديه مصلحة واضحة في دعم أمن واستقرار منطقة الخليج في وجه التهديدات. فلا بد ومن الضروري لدول مجلس التعاون من السعي إلى الاشتباك الاستراتيجي والسياسي مع الصين، بطريقة تتمكن دول المجلس معها من تسخير مصالح الصين المتنامية في المنطقة لخدمة القضايا السياسية التي تهم دول الخليج، والتحديات الأمنية التي تواجهها خصوصا وان الصين يمكن ان تلعب دورا ايجابيا في عدد من القضايا التي تهم دول الخليج، منها على سبيل المثال القضية الايرانية والضغط على إيران للحد من تدخلاتها في المنطقة. وكذلك الأزمة السورية والتي أصبحت أكبر أزمة إنسانية في العالم. وكذلك الأزمة اليمنية والسعي بتجاه تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2216 لإحلال السلام في اليمن وغيرها من القضايا التي تدعم أمن واستقرار المنطقة. واخيرا وكما قلت في مقالات سابقة لا بد لدول الخليج من التعامل بجدية شديدة مع الصين كما يحدث مع القوى الرئيسية الاخرى في العالم كروسيا وبريطانيا والمانيا وفرنسا. وعلى الصين في نفس الوقت اعادة الجمع بين مصالحها في الخليج وسياستها تجاه الخليج واستقرار المنطقة.