قصتنا مع الوقت
هناك قناعة بين قطاع كبير من الناس على أن علاقتهم مع الوقت غير منتظمة، في ثقافة المجموع العام تتمظهر علاقتنا بالوقت في طابع صراعي، إما أننا كأفراد ومجتمع مناصب الوقت العداء، أو لان الوقت هو الذي يتحفز في وجوهنا وأمام مشاريعنا وخططنا لينال منا، وذلك بعدم تحقيق اغلب ما نصبو إليه. أتسلل من كل هذه المقدمة إلى نافذة الثقافة العامة ثقافة المجموع التي تتجسد في عبارات وأحاديث الناس، وفي أغانيهم، وأشعارهم وتعبيراتهم المختزلة والمركزة التي توحي بشكل أو بآخر بان الزمن خصم عنيد يؤثر على حركة المخلوقات منذ ساعات النهار الأولى إلى الساعات التي يخلد كل عقل وقلب فيها للراحة، وكل ذلك في وعاء الوقت الكبير. في حياتنا، من لا ينصت إلى هموم الناس يصفونه بان مخلوق ما عنده وقت! والشخص الذي يحقق مجموعة أمور بطريقة أسرع من المعتاد، يشيرون إليه بأنه "ما عنده" وقت. ربما هنا المعنى فيه شيء من التورية والذكاء الاجتماعي والذي يقصد به ضمنا انه مخلوق لا وقت لديه للعب. وهذه مفارقة تبدي شيئا من المخزون في سلوك البشر ضمنا وكأنه اللعب بالوقت ومع الوقت! المجتمع في عالم الشعر والوجدانيات يلوم الناس كثيرا الوقت بطريقة مسرفة، فهل يا ترى الوقت مشجب لخيبات الناس العاطفية، وإمكانياتهم الغرامية أم إن الوقت في حقيقة الواقع عذول "عيَّا لا يجيب المحبوب" أو تخاذل عن توفير مناسبة سانحة لرؤية المُحِب. أو انه من يستحق المحاسبة بدلا من احد طرفي العشق، فهو أي الوقت من يفرق بين الناس! المفارقة اللافتة حقاً في مجال العلاقات الاجتماعية استخدام الوقت كمفردة وكظرف عائق عن القيام بكثير من الواجبات الاجتماعية. وهذا منحى خطير عندما يصبح سلوكا جاهزا لاستخدامه بشكل عادي. تخيلوا أبا يبرر عدم متابعته لتحصيل أولاده بحجة عدم وجود الوقت! المفجع أن وسائل التواصل الحديثة لها مهمة جوهرية وهي اختصار الوقت. ومع ذلك في منازلنا نتمترس خلف الحاجز الوهمي الوقت. لعلني أزعم أن الحياة الحديثة وحالة التشتت التي خلفتها لدى الناس جعلت من الغالبية أناسا فاقدي القدرة على التصالح مع الوقت، على الجانب الآخر هناك تراكم كبير من المعرفة النظرية وجزء منها تدريبي ولكنه بدرجة اضعف لما يعرف بأعمال التطوير الشخصية، وهي في معظمها تركز على تكييف السلوكيات مع مقتضيات الزمن، لتحقيق أهداف مثل النجاح الشخصي والوظيفي، وعشرات انخرطوا في هذه الأنشطة، ومع كل هذا الزخم بقينا في المجموع الأعم في صراع مع العدو الخفي الوقت. ومما يدور بين الناس في زمننا هذا أن تتم مكالمة تليفونية بين أشقاء لم يروا والديهم الذين يعيشون معهم بنفس المدينة منذ أسابيع، بحجة أن ليس لديهم وقت! وتتواصل المكالمة المتخيلة بين الأشقاء وكل منهم يحاول دفع الآخر لتفقد الوالدين، لان كلا منهم مقتنع في قرارة نفسه بان ليس لديه وقت. مقولة الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، مقولة ذهبية ولكننا نردد عند الحاجة فقط. ولا نطبقها في واقعنا إلا فيما ندر. مجتمعنا لديه قابليته للتوعية اعتقد أن من المفيد تكثيف حملات مصممة بعناية يكون هدفها المجتمع لكافة شرائحه. ليقف الجميع على حقيقة العلاقة المرعبة مع الوقت. نطمح إلى أن تغيب عبارة ما عندي وقت من واقعنا. وأصدقكم القول أني كتبت عن الوقت لان ليس لدي وقت لأكتب عن قضايا السياسة والحرب والصراعات الدولية.