محو المعرفة.. وآخر ذرائع توقيع اتفاق النووي
استمرار الولايات المتحدة والغرب عموما في تمرير المزيد من التبريرات فيما يخص توقيع الاتفاق النووي مع إيران، يكشف كل مرة على أن تلك القوى تدرك حجم المغامرة مع بلد لم يبد منه ما يشي بأنه يحفظ عهوده، مما يدفع الغرب للبحث في كل الأرجاء عن مبررات تمنحه الاطمئنان حول وجاهة ما أقدم عليه، قبل أن تبعث برسائل الاطمئنان إلى حلفائه في المنطقة، والذين يعرفون سلوك النظام الايراني عبر تجربة أكثر من ثلاثين عاما من الجوار المشاغب، ومنذ قيام الثورة. آخر تلك التبريرات ما روجت له النيويورك تايمز، والتي زعمت أنه لم يكن بيد الولايات المتحدة ولا أي من الدول الخمس أي خيار سوى توقيع الاتفاق، لأنها ـ على حد زعم الصحيفة ـ لا تستطيع محو المعرفة النووية من عقول الخبراء الإيرانيين بعدما اكتسبوها، ودخلوا بها إلى معامل الإنتاج، وهي بالتالي إزاء هذا الواقع لا تجد مفرا من إبرام هذا الاتفاق لمنع تلك المعرفة من أن تتحول إلى منجز نووي خلال السنوات القادمة، وهو تبرير تنقصه الحكمة، لأن الغرب هو من سمح للخبرات النووية التي تسربت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي من جمهوريات آسيا الوسطى المحاذية لإيران من الذهاب بخبراته إلى طهران، وفي وقت كانت تغض الطرف فيه عن إسرائيل التي كانت تتعقب الخبراء النوويين العرب، وتعمل على تصفيتهم فردا فردا، بعد أن كانت قد أغمضت عينيها عن الطائرات الإسرائيلية في الثمانينات وهي تدمر المفاعل النووي العراقي.كان بوسع هذه القوى التي اشتركت في تفكيك الاتحاد السوفيتي أن تتصدى لاستقطاب إيران للخبراء الذين نقلوا تجاربهم إلى المعامل الإيرانية، وتحدثت عنه بعض التقارير الغربية حينها، غير أن إعراضها عن متابعة هذا الأمر، وصمتها عن البرنامج النووي الإيراني إلى أن أصبح قاب قوسين أو أدنى من إكمال دورة التخصيب، يضفي على هذه الملاحقة المتأخرة مسحة مسرحية، يمكن تبريرها تحت عنوان «لم أفرح بها لكنها لم تسؤني»، حينما وفرت للقوى الغربية الغطاء اللازم، وفي هذا التوقيت المفصلي، لإعادة صياغة شكل المنطقة، والرسم الجديد الذي يجب أن تظهر عليه، حماية لمصالح القوى الكبرى، بما في ذلك القوى المتنافسة، بدليل أن روسيا إلى جانب الصين، كلتاهما تدخلان مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إلى جانب ألمانيا في هذا الاتفاق، مما يشير إلى قناعة كل الأقطاب بعائدات هذا التوقيع، وانعكاساته الايجابية على مصالح كل الأطراف، وهي سابقة لم تحدث من قبل، على اعتبار أنه من المستحيل أن تلتقي مصالح كل الأطراف في صيغة واحدة، وقد التقت هذه المرة على المائدة الإيرانية، خاصة بعد انحراف ثورات الربيع العربي، وانشغال الأمة العربية عما يدبر لها تحت غطاء النووي، ثم نجاح إيران ومندوبيها في المنطقة في خلط الأوراق، وإتاحة الفرصة للتنظيمات المتطرفة لزيادة الفوضى والاحتقانات، واللعب على الورقة الطائفية، لتخمير عجينة خبز المنطقة الجديد، والذي سيتم انضاجه هذه المرة في أفران المذهبيات، ما لم تتنبه الأمة وتخرج من هوانها لمواجهة ما قد يضمر لها من نوايا.