«ماراثون».. لكن إلى الوراء!
«غالبا ما تحقق البراءة الإنسانية انتصارها على الإثم»! وتعليقا على مقولة الفيلسوف بول ريكور هذه أقول: قد يشهد تاريخ البشرية انحرافاتٍ عن المسار الصاعد نحو التطور المبدع يقترفها من يضل الطريق، ويستوطن التّيه، أو تتجه بوصلته إلى المرفأ الخطأ. وقد تحدث انتكاساتٌ تعود بالإنسان إلى الوراء على مستوى الفكر والممارسة. لكن كفة الارتقاء والقيم الإنسانية العالية، هي الراجحة في نهاية المطاف.لا يوجد تعريف لتلك العودة إلى الوراء، سوى أنها انتقال من حال حسن إلى سيئ، أو من سيئ إلى أسوأ. ومن كُوَّة ذلك الانحدار، تطل الهمجية بوجهها مرتدية أقنعة مختلفة تبعا لاختلاف الأزمنة والبيئات والثقافات. وقد تعود بشكل أكثر شراسة وتوحشا. وسأستعين هنا بمثالين من الماضي والحاضر، أحدهما غربي، والآخر من محيطنا العربي.في الماضي، وبالتحديد في فترة ما بين الحربين العالميتين، كان ظهور الأنظمة الفاشية، وفقاً لمعيار التحضر، عودةً إلى الوراء بزي جديد، وقاموس سياسي عصري. وفي غياب النقد الذاتي والرادع الأخلاقي، يسود الاعتقاد بأن الخلل هو دائما هناك في مكان آخر. أي في معسكر الخصوم. مع أن المكان الآخر ينعم بالحرية والرخاء والنمو والاستقرار.كان تلميع الذات هو السائد. والإطراء، كما يقال، وحش في ثياب صديق! وقد شاعت آنذاك نكتة تقول إن الناس كانوا يعبرون عن انتقادهم لأحد الأنظمة الشمولية، بالذهاب بعيدا عن مكان المشكلة اتقاءً للمتاعب، والقول إن «الحالة لا تطاق في الدانمارك»! مع أن قائل هذه العبارة يحلم بالعيش في الدانمارك، في اليقظة والمنام.وفي الحاضر تطل علينا من العتمة فاشية جديدة أكثر شراسة، تحاول أن تمحو أي أثر حضاري، وقد تعيد المجتمعات الموبوءة بها إلى وراء الوراء. حتى صارت المقارنة بين الفاشية القديمة والجديدة، ليست سوى مقارنة بين السيئ والأسوأ. ولم يكن من الصعب أن تجد تلك الموجة بيئات حاضنة، وجمهورا عريضا من البسطاء شكلوا، مع مرور الأيام، أغلبية ساحقة، تفرض هيمنتها بالقوة. وكالعادة يرفع صانعو تلك الانتكاسة الشعار القائل: إن الخلل هناك في مكان آخر. وأما المفارقة الأعجب فهي أن يستخدم ذلك الماراثون السائر إلى الوراء أدواتٍ عصريةً متقدمة كالاحتكام إلى «صناديق الاقتراع» لفرض مفاهيم متخلفة. وهذا هو مأزق التجارب الديمقراطية الوليدة في المجتمعات التي تطغى فيها نسبة الأمية، بما في ذلك أمية المتعلمين.في مثل تلك الظروف، وفي حالة من حالات الإحباط، تمنى بعضهم، ويا للمفارقة، عودة السيئ، باعتباره أهون الشرَّين. وهي حال شبيهة بتلك التي عبر عنها أبو الطيب المتنبي بقوله: «كفى بك داءً أن ترى الموتَ شافيا/ وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا». هل توجد صورة أكثر سوداوية من هذه؟ قد ترتفع، من حين إلى آخر أصوات عاقلة من بين ركام تلك الفوضى؛ أصوات تشير إلى مكامن الخلل، لكنها تذهب مع الريح، وقد يمر وقت طويل قبل أن تجد من يمنحها أذنا صاغية، لأن هنالك من يرى أن الخلل هو في مكان آخر.هل لتلك الانتكاسة من أسباب؟ نعم. لا شيء ينشأ من فراغ. ومن ثمَّ فإن لتلك الانحرافات جذورها التي تجد تربة مناسبة تغذيها فتنتج تلك الثمار المرة. وحين يكون التشخيص زائفا تصبح الوصفة عديمة النفع. وتراوح العِلَل الاجتماعية مكانها، لأنها تُعلَّق على شماعة وهمية. مع ذلك، أعود إلى عبارة البدء فأقول: إن عجلة التطور المبدع لا تتوقف.