وما أدراك ما الحائر
خلال شهر رمضان المبارك، الذي أتمنى أن يعيده الله على العالمين العربي والإسلامي بكل خير، وحب وسلام، وأمن. تابعت عبر إحدى صحفنا المحلية تقريرا متميزا يتحدث عن فعل متميز يقدم لشريحة من شرائح المجتمع، بصورة دورية خلال شهر رمضان. ما اقصده هو الدورة التثقيفية الترفيهية التدريبية التي تقدمها إدارة التعليم في منطقة الرياض في كل رمضان لنزلاء إصلاحية الحائر. وفي الحقيقة ورغم إعجابي الشديد بفكرة العمل وأهميته لم اعرف كيف أتناول كل ذلك وتقديمه للسادة القرّاء، واحتفظت بالمادة بين أوراق الذاكرة إلى أن أعلنت الجهات المختصة في آخر أيام الشهر الكريم وتحديدا يوم التاسع والعشرين من شهر رمضان ١٤٣٦ عن أن القوات الأمنية أحبطت محاولة تفجير إرهابية، بائسة، وفاشلة. استهدفت سجن الحائر في الرياض، مع حلول أذان المغرب، عندما صدرت أوامر رجال الأمن لمركبة اشتبه فيها بالتوقف. فبادر السائق إلى تفجير نفسه، فاحترقت المركبة، اعرف أن الحادثة مازالت طازجة في أذهان الناس وبشعة إلى درجة أن الكل يتمنى نسيان تفاصيلها ولكن هذا ما حدث حيث قتل المنتحر خاله قبل أن يفجر نفسه وتشتعل السيارة التي يقودها. والتي كان ينوي بها إحداث عمل ما في سجن الحائر، الذي سأطلق عليه من الآن وصاعدا "إصلاحية" وأعود للخبر القديم علني والسادة القرّاء الأفاضل نتجاوز هذه الحادثة الإرهابية الفاشلة إلى ما هو إيجابي ومفيد للوطن وأقول: سامح الله من سعوا بقصد أو بغير قصد إلى محاولة رسم صورة مخالفة للواقع عن إصلاحية الحائر، والصورة التي وصلت لكثير من الناس وربما أنا منهم مشوشة في بعض الأحيان إلى حد كبير، خاصة عندما تصل المحاولة لوصف هذه الإصلاحية ومقارنتها بالسجون السيئة السمعة في بعض العواصم العربية بناء على ما يروج انه يحدث بين جنباتها من أعمال لا يجب أن تحدث للناس حتى وهم في مكان يقال له سجن. وفي الحقيقة ان معظم المصادر التي تحاول توصيف الحائر وأحوال الناس "النزلاء" فيه كانت إما إشارات متناثرة في عمل أدبي عابر أو ايماءة شفوية غير واضحة من هنا أو هناك. وكنت وأنا أتابع بعض الحلقات التي عرضت في وسائل الإعلام لأحاديث مع موقوفين في الإصلاحية أصغي جيدا وبدوافع إنسانية خالصة، للأسئلة التي تُعنى بتفصيل علاقتهم بالإصلاحية وأسلوب المعاملة والطبابة والأكل ونوعيته والنظافة وخلافه، وكنت اغتبط وأنا اسمع الإجابات تثني وتشيد بكل ذلك. وتذكرت أن بعض مقولات الإصلاح الحديثة في السجون أصبحت تتجاوز مفاهيم العقاب بمصادرة الحرية، والتعذيب إلى التدريب والتثقيف والتوعية والإعداد الجيد الذي يأتي عبر برامج ودورات تؤهل نزيل الإصلاحية لأن يكون عند قضاء مدة الحكم الصادر بحقه بأن يكون قادرا على الاندماج والانخراط في المجتمع بصورة طبيعية وممكنة. الحائر وعلى الرغم مما يقال عنه، أو يروج حوله، هو مكان تدرأ السلطات به الشر أو بعضه عن بقية المجتمع المنتظم في حياة السلم والمدنية والحياة الطبيعية. لذا كان هدف الهجوم الإرهابي الفاشل، الذي يريد إخراج شرور لم تنزع أشواكها بما يكفي الفضاءات المجتمع الطبيعية والعادية. في الدورة التثقيفية التي تقام سنويا لنزلاء إصلاحية الحائر استوقفتني جملة من الصور التي وردت في التقرير الذي أشرت إليه في مطلع حديثي أولها حديث النزلاء عن التغيير الذي أشرق على حياتهم، وتمسكهم بفكرة الصبر، الذي يمكنهم من انتهاء مدد إقامتهم في هذا المكان، وأهم من ذلك إشاراتهم القوية وطلبهم من القائمين على تلك الدورات لتكون طوال العام، وليس في شهر رمضان فقط، ليزيد من وعيهم وتوعيتهم وتثقيفهم علاوة على إدخال كميات وجرعات اكبر من الترفيه في برامج حياتهم، في التقرير استوقفتني أيضا عبارة إن من يقطنون في الإصلاحية هم أحد شرائح المجتمع، لذا تم الاعتناء بهم والتعامل معهم، وهذا في ظني فهم واع ومتقدم لهذه الشريحة نأمل في تعزيزه وتغذيته في كل مؤسسات الإصلاح لدينا. التقرير لم يغفل اهتمام النزلاء واهتمامهم بعاصفة الحزم، ودعائهم بالنصر والتمكين للوطن وللقيادة الرشيدة، واصدق القراء الأفاضل القول ان هذه الإشارات والاهتمامات ولدت لديَّ الكثير من التأثر. حيث قارنت بسرعة وفي عجالة بين حالة من يقتل ويدمر ويفجر في الخارج وحالة من يحمل الوطن في داخله حتى وهو في وضع يرجى فيه إصلاحه.