إنسانية الفيصل عنوان عريض للدبلوماسية المعاصرة
كثير من الدبلوماسيين ووزراء الخارجية في العصر الحديث لم يكن لهم حضور في العمق الإنساني إلا بقدر ما صدقوا في معالجة متاعب الإنسانية بحلول سياسية مبتكرة تستهدف وضع حد لمعاناة البشرية في شرق الأرض وغربها، وكثير منهم لم ينجح لأنهم تعاملوا بادوات سياسية ودبلوماسية جافة وحرفية، غير أن الذين نجحوا تعاملوا بصدق مع قضايا السلام والأمن والاستقرار، وفي مقدمة أولئك صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل "يرحمه الله".كان وزير الخارجية الراحل أكثر من وزير وسياسي، وإنما إنسان بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وحينما تتعامل السياسة بعمقها الإنساني تصبح أمرا فريدا ومذهلا، ولذلك كان سموه مذهلا وفريدا في أدائه السياسي والدبلوماسي، فهو على الصعيد الوطني منحنا إحساسا واسعا بقيمتنا الوطنية وماذا يعني أن تكون سعوديا بين شعوب العالم، ذلك أمر يكتنفه كثير من الفخر والعزة لأن بلادنا موطن عطاء وخير على البشرية.على الصعيد الخارجي كانت له إسهامات يشهد بها القاصي والداني في معالجة أكثر الملفات سخونة وتعقيدا، وحين يتعامل سموه بصدق يظهر ذلك لكل الأطراف التي ترغب تلقائيا في حل مشكلاتها وفقا لرؤيته وحكمته وكياسته وخبراته الواسعة، وهو صاحب المقولة الشهيرة بالوقوف على مسافة واحدة من جميع أطراف أي مشكلة، وذلك بالتأكيد جدير باكتساب الاحترام والتقدير والاقتراب من أي حل على طاولة مفاوضات.هل الفيصل فقيد السعودية والأمة العربية والإسلامية وحسب؟ لا أعتقد ذلك، فهو رجل دولة عالمي يهم البشرية بأكملها، وستبقى سيرته الناصعة نموذجا للعمل الدبلوماسي الرفيع والشفاف الذي يعمل على الوصول الى حلول علمية وعملية، تتعامل مع متاعب البشرية بصدق وإخلاص، وذلك ما يميز سموه الذي يرحل عن دنيانا ولكن يبقى أثره السياسي والدبلوماسي منهجا وسلوكا، يقتدي به كل دبلوماسيي العالم وفي مقدمتهم دبلوماسيو بلادنا الذين يتمتعون برصيد كبير من تجربته الثرية.من المهم مواصلة الدبلوماسية السعودية لنهج الراحل الفيصل في السياسة الخارجية، ذلك جدير بالتماس ذكرى طيبة له، فقد منحنا طوال حياته أداء دبلوماسيا مميزا أسهم في تطوير علاقات بلادنا واكتسابها لاحترام العالم، ولا شك في أن سيرته ستبقى محل حديث كل الدوائر الدبلوماسية الدولية، فهو عنوان عريض وتاريخي للسياسة الخارجية النزيهة التي تعمل بكل الصدق والشفافية من أجل خير الإنسانية والتعاطي مع ملفاتها المعقدة التي تحرمها أمنها واستقرارها، وتجربة فقيدنا أكدت أنه يمكن صنع الكثير الإيجابي حينما نتعامل بصورة إنسانية حقيقية. كاتبة