رحم الله أبا الزهراء
بعد حادثة التفجير الآثمة في جامع الإمام الحسين بحي العنود، ظهر على شبكة الانترنت فيلم تسجيلي قصير بعنوان تفجير صائم، مدة العمل الحقيقي لا تتجاوز خمس دقائق، بدأت تلك الدقائق المعدودة بمتابعة الكاميرا لرجل قطيفي كما تبين لهجته كان ينهي استعداده للخروج من منزله لصلاة الجمعة، وفي طريقه إلى الباب عانق ابنته الصغيرة الزهراء، بتحبب ودلال، وأوصى زوجته التي لم تظهر في الفيلم بان تعتني بتجهيز طبق إفطار للجار أبي عمر، الذي يُفهم ضمناً انه جارهم ويسكن في شقة مجاورة. المشهد الثاني يعطي صورة اشمل للشخصيتين الرئيستين الجارين «أبو الزهراء السعودي الشيعي»، و «أبو عمر السعودي السني». حيث يلتقيان في موقف السيارات، ويحاول أبو عمر إثناء جاره عن الذهاب للمسجد لخطورة تلك الخطوة خصوصا في المساجد التي يصلي فيها أبو الزهراء وأبناء طائفته وهذه إشارة واضحة لحادثة تفجير مسجد القديح. ولكن أبا الزهراء رفض كل النصائح معللاً ذلك بأنه صائم، وطاهر وسيكون في جماعة ولا يبالي بأي شيء آخر. المهم يفترق الرجلان، ويظهر الجار أبو عمر وهو يستمع للأخبار من قناة فضائية تؤكد حدوث تفجير إرهابي في المسجد الذي قصده جاره، العزاء كان رمزيا للطفلة زهراء التي قابلت أبا عمر عند الباب وسلمته طبق الطعام المعد من اجله، وهو بالمقابل عزاها بصمت.ثم انتهت اللقطات إلى الجامع الذي تم تفجيره وصوت الجار الذي هو احد الضحايا يتردد في أذن أبي عمر. العمل على قصره وقلة عدد الشخصيات التي جسدته نقل جملة من الأفكار أبرزها، أن هناك علاقة "تعايش" وقبول بين السعوديين من أبناء الطائفتين السنية والشيعية، وأن هناك علاقة حب بمعنى ليس هناك حالة "كراهية" بين الجارين مع احتفاظ كل منهما بميله المذهبي. هذه المعاني تجسدت بوضوح في العمل الدرامي القصير، الذي جاء مشحوناً بالعاطفة والرسائل العالية الكثافة إنسانيا ووطنياً. ولكن تلك المعاني تبقى في حقيقة واقع الناس وحركة المجتمع المعيشة ليست متطابقة تماماً مع ما حاولت العدسات تصويره، ثم إن هناك منحًى مهما بعد سلسة أحداث التفجيرات والتخريب بين فئات المجتمع وبالتالي تقويض امن البلاد واستقرارها كمحصلة نهائية، وبعد هذا الزخم والوعي ببعض مظاهر المسألة الطائفية وما يحاول البعض تصويره على أنه صراع الأغلبية والأقلية في البلد الواحد، ذلك المنحى هو ضرورة التعرف على طبيعة الفريقين أو الطائفتين ونظرة كل فريق للآخر، من هاتين الزاويتين، وأعني بهما التعايش بمعناه العام، والكراهية التي تقود للتمايز والإقصاء والقتل. ودور المجتمع في تنميط وتأطير العلاقة بينهما، عبر تحديد القيم وتوزيع المصالح في الفضاء العام الذي يحتضن الجميع. في البدء يجب الاعتراف أن الجانبين في هذا المجتمع سواء الشيعي أو السني لا يمكن أن يتم توصيفه بالسهولة التي ظهرت لمن شاهد العمل الدرامي، بمعنى ليس أي من الفريقين محبا، ومتعاونا، وقابلا للتعايش على الإجمال، أو كارها ومنابذا، ورافضا للتواصل كليا، ولكن طبيعة الأمور تشير إلى أن هناك تفاوتا في الرفض والحب والكراهية والتعاون والعقلانية، وان كانت هذه سمة طبيعية فهي إحدى معضلات ترميم الحالة الوطنية التي وصل حد التباين فيها إلى درجات ملموسة وتحتاج للعلاج بكل تأكيد. القضية الأخرى التي قد يدفعنا هذا العمل لملامستها هي البعد القائم على الود والحب وهي مبنية على المظهر الأول الذي هو القبول بالتعايش والتعاون، وهي في التفسير العام منعكسة من اختلافات البشر، ولكن التأطير العلمي لها قد يكون عبر بوابات ثلاث هي المعتقد أو المرجعية المذهبية، وهي في الجانبين يفترض أن تحث على الحب والتسامح والتراحم، وان حدث عكس ذلك فهذا مسار يعبر عنه بمعطيات ثانوية ليس هناك ما يمنع من مراجعتها في الجانبين، وهناك مشاعر الناس العامة تجاه من يعتقدون أنهم يتمايزون عنهم وهذا المسلك غالبا ما يكون نتاج تربية واعتقادات، بقي المسار الثالث وهو المجتمعي التنظيمي الذي يُوجِد ويؤسس تشريعات وأنظمة لا تجبر طرفا على حب الآخر، ولكن يستحيل أن تحث على كراهية طرف في المجتمع لطرف آخر. هذه المقاربة بين ما تصوره السينما، وتكتبه أقلام الفنانين والأدباء وبين حقائق الواقع المرة أحياناً، توجه الناس إلى ضرورة البحث عن وسيلة يحلون بها وعبرها خلافاتهم واختلافاتهم وأن يتعايشوا بلا كراهية ودمار للناس وللوطن.* مستشار وباحث في الشأن الدولي