وسيلة لتضليل الشعب وتجهيله
ما زالت اللغة الإعلامية -التي تنقل لنا الأخبار والأحداث المحلية والعالمية- تتحدث بقصور في إشباع فضول المتلقي حول مزيد من المعلومات والملابسات حول القضية المنشورة (إلا فيما ندر من بعض الوسائل الإعلامية المحترفة). والمشكلة الأبرز أو الأكثر ضررا تتعدى مسألة إعطاء معلومات قاصرة عن حدث ما إلى قضية أن يكون في الخبر ذاته تحليلات تبلغ حد الإدانة أو الاتهام لأطراف معينة قبل التثبت من ذلك عن طريق الجهات أو الأشخاص المسؤولين والمعنيين بالحدث.. على سبيل المثال؛ أحد الأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام الجديد كان خبر وفاة الطفل «فهد» ذي الثلاثة أعوام في أحد المستشفيات الخاصة، وهو خبر لا يحتمل الاتهام أو الإدانة جزافا خاصة أن جهات التحقيق شرعت في التحري عن واقعة الوفاة ولم تصدر تقريرها بعد، وقصة المرحوم فهد باختصار لمن لم يعرفها هي أنه أثناء زيارة أهله إلى خالته التي أنجبت مولودا جديدا في أحد المستشفيات الخاصة قام فهد باللعب مع قريبه الذي كان في نفس عمره في أحد ممرات المستشفى، بعدها اتجها إلى أحد المصاعد ودخلا به ثم ارتقى بهما المصعد إلى سطح المستشفى وهناك وقعت الكارثة عندما سقط طفلنا فهد –رحمة الله عليه- من فوق سور السطح ثم توفي، والحمد لله أن الطفل الآخر تم اللحاق به قبل أن يلقى ذات المصير. هذه القصة عندما تورد كخبر صحفي فإنها لا تحتمل أي تحليل أو إطناب بعيدا عن الحدث ذاته كونها- حتى وقت إيراد الخبر السابق وكتابة هذا المقال- متكاملة الملامح بأحداثها المنقولة على لسان الصحيفة، وخاصة أيضا أن الخبر ذاته ذكر بأن التحقيق جار فيها. لذا من عدم الموضوعية التلميح أو التصريح بأن المستشفى هو المسؤول عن هذه الحادثة كونه لم يتابع الطفلين بالكاميرات ويتدخل في الوقت المناسب!! يبدو جليا أن لغة الاتهام دائما تكون حاضرة في الوسائل الإعلامية تجاه المؤسسات والمسؤولين لكنها نادرة في ادانة سلوك الناس وعلاقتها بالمشاكل العامة، وهذا يحدث ربما لأن بعض وسائل الإعلام ترى في هذه المعالجة الإعلامية طريقة لكسب الشعبية والجماهيرية، فنلاحظ على سبيل المثال أن الوسيلة الصحفية التي نقلت لنا قصة فهد المؤلمة أشارت في الخبر إلى محور الإدانة والمسؤولية المتعلقة بالمستشفى بينما لم تشر لا من قريب ولا بعيد إلى مسؤولية الأسرة تجاه الحادثة وهي التي التي يقع عليها بالدرجة الأولى مسؤولية مراقبة أطفالها والحرص عليهم. هذه الظاهرة الإعلامية يمكن تجليها أيضا في قضية الإرهاب والعمليات الانتحارية والهجرة إلى مواطن الصراع بنية الجهاد المزعوم، فالملاحظ أن الإدانات تتسارع وتلقى على المناهج وبعض المشايخ ودور الخطاب الديني بعيدا عن إدانة الأسرة التي تصورها وسائل الإعلام بأنها ضحية مغلوب على أمرها بينما هي في الأساس تأتي في المرتبة الثانية كـ «جان» في القضية؛ كونها لم تبلغ عن ظهور بوادر الإرهاب على ابنها ولم تبادر بمعالجته خاصة عندما يغيب عن المنزل لفترة معلومة وقد اتضح عليه قبل التغيب نوايا الضلال. إن استمرار بعض الصحف الالكترونية في نهج الإثارة والإدانة بدون تثبت والبحث عن السبق الصحفي على حساب الحقيقة؛ سيجعل من الإعلام أداة لتضليل الأفراد وتجهيلهم بدلا من جعله وسيلة لتنوير الوعي وخلق ايدولوجيا معينة ترتقي بفكر وأخلاق الناس.* إعلامية وباحثة اجتماعية