إذاً ما الأهداف النهائية للإرهاب؟!
الهدف النهائي لجماعات الارهاب السيطرة على البلدان التي تستهدفها، من خلال إثارة فتنة وزعزعة الاستقرار الذي يؤدي إلى الضعف وبالتالي يمهد للسيطرة. أراها أطماعاً دنيوية محضة. وبما أن آخر جرائم الإرهاب وقعت يوم الجمعة المنصرم (9 رمضان 1436هـ)، فلأحدثكم بما تمثله لنا الكويت، ليس فقط كمجتمع، بل كأفراد؛ فلكل منا قصة حُبٍ مع الكويت.بدأت صلتي بالكويت صغيراً، في نهاية الستينيات الميلادية، فكانت أول زيارة عندما أقفلت عائداً من سوريا بصحبة عمي، الذي سبق ان حدثتكم عن رحلتي معه من دمشق إلى الأحساء. وقتها توقفنا في الكويت ظهراً بالقرب من سوق الزل، ومنه إلى سوق الهدم (البشوت)، وهناك وجدت الجميع يعرف الجميع ليس معرفة عارضة بل معرفة قرابة ومصاهرة، فرغم أني كنت أشاهدهم لأول مرة، لكنهم كانوا يسألوني عن والدي وأهلي بشغف واهتمام، ولم يستطع عمي رغم حرصه الشديد على التحرك إلى الأحساء دون تأخير.. لم يستطع التفلت من إصرار كويتي أحسائي من عائلة الصحاف لتناول وجبة الغداء. وكان ذلك، فتغدينا سريعاً وواصلنا سفرنا قاصدين الأحساء.تعددت سفراتي للكويت بعد ذلك مع والدي لأغراض تجارته، فلم تك تخلو سنة من زيارة أو أكثر، وكنت أحرص على ذلك متحفزاً؛ فالكويت هي بمثابة الانطلاقة ليس فقط في الفن والثقافة، وفي توثيق تراث الخليج العربي المروي، وفي الموسيقى والمسرح والآداب، بل وفي الريادة الاقتصادية وتطوير الأعمال، وحتى التطور السياسي والمشاركة الشعبية.يوم السبت المنصرم ذهبت للكويت بصحبة أهل وأصدقاء لتعزية أهل وأصدقاء، فالعديد ممن نالتهم يد الإرهاب الغادر في تفجير مسجد الإمام الصادق عليه السلام، هم أهل وأرحام. ولم أذهب هناك لأعزي من أعرفهم، بل لأعزي الكويت برمتها، بما في ذلك الأرض والسماء، وكل ما ينبض بحب هذا البلد، الذي جعل من الريادة له سمة. وددت أن أعرج على كل الأماكن التي دَرجت على ارتيادها لأعزيها، ووددت أن أمرّ على كل معارفي في هذا البلد الجميل لأعبر له عن حزني العميق.وفي الطريق إلى الكويت تركز حديثنا حول سؤال كبير: هل تبقى الكويت قبل هذا التفجير الغادر كما كانت قبله؟ كيف يتجه التغيير، إن حدث؟ فالكويت روح متوثبة. لم يخيب ظني، فما أن دلفت وأصحابي إلى مسجد الدولة الكبير، مقر العزاء، واصطففنا في طابور المعزين، حتى وجدنا سمو أمير الكويت –يحفظه الله- يتقدم المعزين، يصافح أسر الشهداء فرداً فرداً بأبوية وحنان. وكذلك لم يخيب ظني في تلاحم الكويتيين، عندما خرجت الكويت عن بكرة أبيها لتشييع الشهداء، وبعد ذلك ما لبثت أن أتت كتلة بشرية للعزاء؛ كل الكويتيين أتوا، في تظاهرة تضامنية فريدة. أخذتُ أراقبها جالساً في رواق المسجد متأملاً الناس تأتي زرافات زرافات من كل السحنات. وقد نجحت تلك التظاهرة الكويتية في بعث رسالة مخيبة لمساعي الإرهاب ومناقضة لتدبيره.كانت رحلةً حزينة للكويت، ليس كعشرات الرحلات المفعمة بالتحفز والحماس، في هذه الرحلة كان الفكر شارداً، والنفس مرهقة، ليس لانقطاع الأمل –معاذ الله- بل لتراكم الأسئلة التي أرهقتنا في الدالوة ثم القديح ثم العنود، والآن ذات الأسئلة تعود لتدق بعنف في الكويت. فما العمل؟ علينا أن نتدبر في الأمر وبعمق، فهي حربٌ مع الإرهاب. نعم، هناك من يتربص ببلداننا شراً، لن يكفيه أن يفرق جماعتنا، ولا أن يغتال وحدتنا الوطنية، ولا أن يصيب تعايشنا الوطني والخليجي في مقتل، بل يستهدف هز أوطاننا من الجذور. من يظن أن الهدف النهائي للإرهاب سيكتفي باستهداف مكون من مكونات وطننا الغالي أو في الكويت أو بقية دول مجلس التعاون، عليه أن يعيد النظر، فالاستهداف الطائفي هو هدف مرحلي للإرهاب وهو ما يظهر على السطح حالياً، أما هدفه النهائي فالوطن برمته بكل مكوناته ومؤسساته! بمعنى أن علينا أن نتعامل مع الإرهاب ليس فقط بمنظور مكافحة الفتنة الطائفية –رغم أهمية ذلك- بل من منظور أوسع وأشمل، منظور وطني يجعل تشبثنا بوطننا أعمق، وقدرتنا على الحفاظ على مكتسباته أكبر، وتحصينه عبر الارتقاء بالأداء لنعمل جميعاً على نسق واحد ووفق هدف واحد، لا يمنعنا من أن نتمايز لكن يجنبنا أن نتنازع بما يَضرّ بمصلحة وطننا أو سلامته. وضعنا الظرف الراهن جميعاً على المحك، محك إعادة اكتشاف حبنا لأوطاننا وتمسكنا بها، ورغبتنا في أن نجتمع لا أن نتفرق. فأين خطتنا المضادة لمقابلة خطة الخصم وإفشالها؟ وما هي مكوناتها؟ وكيف ستنفذ ومتى؟ أطرح هذه الأسئلة ليس فقط بحثاً عن إجابات، بل كذلك عن تكامل الجهود والقدرات، فمقاومة الإرهاب لا تجدي دون مساهمة الجميع بوعي وبصيرة واقتناع.* متخصص في المعلوماتية والإنتاج