د. فالح العجمي

هل نحتاج إلى إعادة ابتكار العجلة؟

سمعت تصريحاً دقيقاً ومحدداً وصارماً، ألقاه رئيس وزراء أستراليا عن كيفية تعامل بلاده مع من يثبت تورطه في أعمال إرهابية من الأستراليين، أو ممن يعيش على الأراضي الأسترالية. ما قاله ذلك السياسي ببساطة وإتقان يعطي دروساً لكثير من بلدان العالم النامية، بأن القضية أساساً تعتمد على عمل جماعي مقنن، ومثبت بلغة واضحة، لا تقبل الميوعة وتعدد التأويلات. تلك اللغة البسيطة صاغها الرجل الذي لا يدرك أنها أحلام لكثير من الأمم؛ دون كلمات فضفاضة ودون رفع الصوت، أو مدّ السبابة وتقطيب الحاجبين، قائلاً: "سنطبق قوة القانون كاملة على من يثبت انخراطه في أي عمل مخالف للقوانين السائدة في أستراليا". وهو يعلم، ومن يتلقى خطابه يعلم أيضاً، بأن هناك فعلاً مواد صريحة، وقابلة للتطبيق مباشرة في كل حالة يُتهم بها أحد المواطنين أو المقيمين على الأراضي الأسترالية. كما أن الساسة والمواطنين أيضاً في البلدان المتقدمة حضارياً، يدركون أن مصدر التشريع واحد، وجهة التنفيذ واحدة أيضاً، ولا تقبل أي منهما التدخل في عملها، ولا تملّص أحد من "قوة القانون" وتنفيذ بنوده على من يخالفه دون تردد، وأن لا أحد قادر على أن يستثني أحداً من تطبيق القانون، وإلا تعرض هو أيضاً للمساءلة. هذه هي العجلة، التي أسهم في صنعها أمم الأرض جميعاً منذ نشأة البشر عليها، وتوالت الإضافات والتعديلات عليها، حتى أصبحت بهذه الحالة المكتملة في الفاعلية والوضوح وسهولة التطبيق. فهل تحتاج الأمم الناشئة أن تبدأ من الصفر، لتجرب كل ما جربه البشر في حقب الزمان المختلفة؟ أم أن الحصافة تشير إلى ضرورة البدء من حيث انتهى القوم الذين واكبوا الحضارة في آخر مراحلها؟ لا أظن عاقلاً يقول بضرورة العودة إلى البدايات، لتضيع المجتمعات جهودها في التردد ذهاباً وجيئة، بينما المطلوب هو قطع أقصر الطرق نحو الهدف المنشود. لكننا لا نعدم من يريد منا أن نخوض تلك التجارب من أولها أو أوسطها، أو يريد الهرولة هنا وهناك بعيداً عن الهدف. وهذه الخضخضة التي يستمتع بها أصحاب الجلجلة الصوتية، وبعض مستشاري الرؤساء التنفيذيين الذين يفتقدون إلى أدمغة صافية لحل المشكلات، ومعرفة موقع البدايات الفعلي والمفيد. من تلك الطرق غير الموصلة إلى هدف هي ما يسعى إليه بعضهم من إدخال الأخلاق إلى منظومة الأعمال القانونية؛ بينما القانون لا يعترف بالمناشدات والتعويل على الضمير أو المبادرات الذاتية. كل الأفراد يفترض أن يكونوا سواسية أمام القانون بغض النظر عن مبادئهم الأخلاقية ومرجعياتهم فيما عملوا، أو ما كانوا ينوون التوصل إليه. ومع ذلك نجد ممن ينتمي إلى تلك المنظومة القانونية من يقول: وهذا لا يعمله إلا ضعاف النفوس، أو من لم يتربوا على الأخلاق الحميدة وغير ذلك من التوصيفات، التي لا تصح في مجال التأسيس للوائح القانونية، أو تطبيقاتها على أرض الواقع. أما المثال الثاني، فهو ما نسمعه أحياناً من تعليقات على ما يحدث في بلداننا، بالرغم من كونه طبيعيا أن يحصل في كل بلدان العالم؛ لكن التفكير الطهوري غير الواقعي يقفز إلى استنتاج خيالي بعبارات مثل: "وهذه الأعمال غريبة على مجتمعنا". تلك العبارات يمكن أن يصدرها أحد في مجالسه الخاصة، أو في حديثه مع أصحابه إن كان يظن أنها صحيحة. غير أنها توجد في بعض وسائل الإعلام، وهي بالطبع لا تفيد في شيء، كما نجدها في بعض تصريحات المسؤولين، الذين يظنون بأنهم بذلك يهونون على الناس وقع حدوثها.