اتجاه إجباري للوفاق
أحد أصدقائي وهو ليبي يقيم في بلد أوروبي، عاتبني بأسلوب مزدوج، حيث لاحظ كما قال انصرافي عن متابعة الشأن الليبي والكتابة حول تطوراته، كما ركز على عتب أكبر، زعم فيه أن وسائل الإعلام العربية عموما والخليجية تحديداً لا تولي الشأن الليبي الأهمية اللازمة، لم أتوقف طويلاً عند ملاحظته الأولى، أما فيما يتعلق بوسائل الإعلام العربية والخليجية وخاصة السعودية فقد أكدت له انه خلال أسبوع واحد تحدثت في برنامجين عن الشأن الليبي وتطوراته، أحد البرنامجين تلفزيوني خصص حلقة كاملة لمناقشة الوضع الليبي، والآخر إذاعي ركز في إحدى فقراته على جولات الحوار التي يعقدها الليبيون في المغرب؛ للتوافق حول حكومة وحدة وطنية.فكأني أجبته على تساؤلاته، وجاملته في موضوع عتبه في آن، وبعيدا عن كل ذلك فإن التطورات الأخيرة على الساحة الليبية جديرة جدا بالمتابعة والملاحظة ومن حق الناس على المراقب، والمختص تقريب وتفسير وشرح ما يحدث على الأرض لهم؛ ليكونوا على صلة بالحدث وتكون لديهم الأساسيات الضرورية للصراع وفهم دوافعه ومعرفة أطرافه.وبناءً على ما سبق يجب الإشارة إلى أن مدينة الصخيرات المغربية شهدت الأسبوع المنصرم مستويين من الانفراج، الأول: انفراج على مستوى تلمس الأحداث ودرجة تقارب وجهات نظر المتصارعين وتضييق الفجوات السياسية فيما بينهم عبر عن ذلك بوضوح السيد برناردينو ليون، الذي أكد -في غير تصريح- أن موضوع توافق الليبيين على تفاهم سياسي أصبح مسألة وقت، وأن الجميع خاصة أصحاب المسار السياسي ورجالات الحكم والدولة والرسميين باتوا أقرب ما يكون لقبول مسودات الصلح؛ لينطلقوا إلى الخطوة الأهم وهي إعلان حكومة التوافق بآلياتها الجديدة التي تؤمن تقاسم السلطة وشكلها وحدودها. وتعززت هذه المناخات الإيجابية بتوافد شخصيات سياسية دولية وعلى احتكاك مباشر ومؤثر بالملف الليبي، أبرز تلك الشخصيات ممثل الأمين العام والمبعوث الخاص إلى ليبيا السيد برناردينو ليون، والسيد منسق الملف الليبي بوزارة الخارجية الليبية، ومبعوثة الاتحاد الأوروبي والسفيرة الأمريكية في ليبيا السيدة ديبرا جونز.أما المستوى الثاني من الانفراج: ففي تقديرنا هو انفراج ليبي بحت، حيث زاد عدد الليبيين المؤيدين للحوار والقابلين بمواصلته على أمل الوصول لحالة الوفاق شكل هذا المسار بوضوح عددا من الإعلانات التي أصدرتها المجالس البلدية والبلديات وتجمعات القبائل والمدن الليبية، التي صرحت بصورة مباشرة في تقارب إرادتها وجنوحها للسلم، وأنها تمثيلا لإرادة الناس ترحب بتوافق سياسي، يمهد لحكومة وفاق توفق بين الليبيين، وتوقف استمرار الفوضى بينهم.هذا المشهد التوافقي الذي يعكس حالة من الرأي العام الغالب لم يخل من الدوافع، ولعل أبرز تلك الدوافع الحالة العامة التي تمثلها القوى الإرهابية التي أصبحت تنتشر وتتمدد على الأرض الليبية، وتسيطر على المدن والطرق والمؤسسات والمرافق الحكومية في وضح النهار، ولعل آخر التطورات في هذا السياق تشير بشكل مفزع إلى سيطرة ما يسمى بتنظيم الدولة في ليبيا على مدينة هون الساحلية، بعد إحكام السيطرة على مدينة سرت بما يمثله ذلك من خطر وتطور له محاذيره، حيث إن هذه المنطقة مدخل الجزء الغني بالنفط في ليبيا، وفيها مطارات وقواعد عسكرية، إضافة إلى أنها تقع في وسط البلاد الليبية. إلى هذا المستوى من التحليل يمكن أن نقرر أن مجمل التحركات الممثلة للحدث إيجابية، ورفدها تحرك إيجابي آخر عزز من قوتها، تمثل في درجة تناغم وتقارب إقليمي ملحوظة تم خلال الأسابيع الماضية بين أبرز دول جوار ليبيا، مصر، والجزائر، وأضيف إليهما جارا من الضفة الأخرى للمتوسط هو إيطاليا، وكادت الرؤى بين هذه الأطراف تتطابق مما قلل من حدة الخلاف على المستوى الإقليمي وانعكس إيجابا على المستوى الداخلي. يذكر أن جوهر الخلاف بين الجارين القويين لليبيا كان يتمحور حول رؤية كل طرف للحل، ففي الوقت الذي تصر الجزائر على الحل السياسي وإمكانية التحاور مع بعض الأطراف خاصة السياسية الإيديولوجية وضرورة مهادنتها أحيانا، كان الموقف المصري يركز على حل الجزء الأعظم من الصراع بالقوة المسلحة، وفي ذات الوقت كان هناك رفض شبه قاطع للعمل مع تيارات الإسلام السياسي أو إشراكها في المشهد المستقبلي. كل الأجواء تُنبئ بأن هناك تطورا إيجابيا ربما يتبلور قريبا على ارض الواقع في ليبيا، وقد تكون حوارات الليبيين في مدينة الصخيرات المغربية هي الأخيرة، وقد تكون وهي العربة التي ربما يستقلونها إلى حكومة الوفاق وتقاسم السلطة والمناصب في بلادهم، وقبل ذلك وقف اقتتال الناس والقبائل والمدن، وتبقى وسط كل هذه الأجواء إشكالية ربما تواجه أهل ليبيا في المستقبل، تكمن في أن الحلول السلمية وأجواءها المريحة لا تعني إهمال مكافحة الإرهاب، وما يترتب على ذلك من متطلبات. * مستشار وباحث في الشأن الدولي