حسن السبع

من الفقه إلى الحجامة

قديما كان الكاتب يقول كلمته ويمشي، أو يقولها وينام ملء جفونه كما يعبر المتنبي. لم يكن التواصل مع المتلقي والتعرف على رأيه متاحا. أما الآن فقد اختلفت الظروف، وتعددت جسور التواصل بين الكاتب والقارئ. وبالإضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي المعروفة، يوجد لكل صحيفة موقع إلكتروني يستعرض عليه القراء آراءهم وتعليقاتهم على ما ينشر. ولابد للكاتب، بعد أن يقول كلمته، أن "يقف" للاطلاع على تلك الآراء والتعليقات.قديما أيضا، وقبل هذا التطور التقني، لم يكن الكاتب يدرك مسافة الفجوة التي تفصل النص عن بعض القراء. وإذا استثنينا الكتابة التي تتناول الجوانب الخدمية والاجتماعية، فإن بعض التعليقات على ما ينشر تتميز بالعمق، وبعضها يعتبر إضافة ذكية لا بد منها لإثراء الموضوع. وقد عبَّرت عن إعجابي ببعض تلك المداخلات في مقال سابق "كامل الدسم". لكن الإشكال يكمن وراء بعض المداخلات التي تتناول الهامش وتترك المتن، أو تلك التي ليس لها علاقة بالمتن ولا بالهامش. وإزاء تلك الفجوة الفاصلة بين النص والمتلقي يمكن طرح السؤال التالي: هل يوجد سوء في التوصيل، أم سوء في الاستيعاب؟ وأي الاحتمالين أقرب إلى الواقع؟تذكرني تلك المداخلات البعيدة عن المضمون بحكاية تنسب إلى الشعبي وقد جلس على باب داره ذات يوم فمر به رجل فقال: أصلحك الله، إني كنت أصلي، فأدخلت إصبعي في أنفي، فخرج عليها دم فما ترى، أحتجم أم أفتصد؟ عندئذ رفع الشعبي يديه وقال: الحمد لله الذي نقلنا من الفقه إلى الحجامة!المتلقي المبدع شريكٌ به تكتمل الكتابة. بل إن قراءة النص تضاهي في أهميتها كتابته، وهذا ما لا تستطيع تحقيقه القراءة السريعة اللاهثة التي لا تدل على مهارات مكتسبة في سرعة القراءة، بقدر ما توحي بعدم الجدية. بالإضافة إلى القراءة المهرولة اللاهثة، والقراءة الناعسة، وهي من الأمور التي يمكن علاجها، هنالك قراءة أخرى أعْيَتْ من يداويها، يمكن تسميتها بالقراءة "المرتابة المتربصة"، وهي التي تقرأ النوايا وتحاكمها مفترضةً سوء القصد. قراءة تبحث بين السطور لعلها تعثر على هَنةٍ هنا، أو مأخذٍ هناك يخالف اتجاه بوصلتها. وإذا لم تجد افترضت ذلك افتراضا.وبخلاف القراءة الذكية التي تناقش الأفكار، تتناول بعض المداخلات الأشخاص. ويمكن معرفة هذا الشكل من أشكال القراءة بمتابعة تعليقات أي مرابط على ثغور الإنترنت متوثب للانقضاض على من يختلف عنه أو معه.في محيطنا العربي سؤال يعاد طرحه باستمرار: هل نحن مجتمع قارئ حقا؟ وما هي المساحة المخصصة للكتاب في حياتنا؟ لكن إذا تجاوزنا هذا السؤال المتعلق بالكم، فإنه من النادر جدا طرح السؤال المتعلق بفن القراءة، ومهاراتها، والقدرة على الاستيعاب والتقاط المعنى. ومن المفارقات العجيبة أن تجد كلاما واضحا يُساء فهمه، وتشاهد في بعض الأمسيات الشعرية من يهز رأسه ويصفق لنص شعري موغل في الإبهام إلى حد التعمية. طلب مني أحد الأصدقاء تفسيرا لهذه المفارقة فقلت: إنهم يفعلون ذلك حتى لا تلصق بهم تهمة تدني الذائقة، أو الأمية الأدبية والفنية. و"كلُّهم بِيهِزُّوا" كما يقول يونس شلبي في مسرحية «العيال كبرت». ولو ارتقى مستوى التلقي لأصبح التواصل بين الكاتب والقارئ منتجا، ولما انتقل الحديث من الفقه إلى الحجامة، ومن الحجامة إلى السباكة.* متخصص في الإدارة المقارنة