ومن الإبداع ما قتل!
هل لاحظت يوما أنه حين تعمل فيما تعشق يمر عليك الوقت سريعا كالبرق، وحين تعمل مكرها مجبرا يصبح الوقت يمشي كالسلحفاة، بل ربما تشعر أن الوقت قد توقف من حولك، وتلك هي فلسفة من فلسفات النسبية للزمن!. وقد سئل عنها أينشتاين فقال: ضع يدك على صفيح ساخن لمدة دقيقة وستشعر أنها ساعة، اجلس مع محبوبتك ساعة وستشعر أنها دقيقة تلك هي النسبية!ما أريد أن أصل إليه هو أن اختصر عليك جهد السنين الذي تقضيه في عمل أو تخصص أو بحث لا تحبه ولا تميل إليه، وتجد أن السنوات التي قضيتها ثقيلة على نفسك كأنها عقود من الزمن، بل كأنك حبيس في سجن الزمن. والأسوأ من ذلك أنك تجد أن ما في داخلك من إبداع وطاقة يذبل ويخفت تدريجيا لأنك لا تعمل فيما تعشق. ولكن في المقابل جرب أن يكون فكرك وعملك منصبا فيما تهوى ستجد الزمن يمر خفيفا كالنسمة الباردة لأنك مع محبوبتك!. وستمر سنين من عمرك كأنها أيام، بل لحظات، وربما ينسيك ذلك العشق حتى نفسك ويؤدي بك إلى حتفك، لأن من الإبداع ما قتل فعلا!. وسوف أعرض عليك نماذج للذين عملوا حتى الهيام فيما يعشقون، وأبدعوا حتى آخر رمق من حياتهم.الخليل بن أحمد الفراهيدي عالم في اللغة والأدب، وهو واضع علم العروض في الشعر، وهو المؤسس لتشكيل وضبط الحروف كما نعرفها اليوم. كان متيما عاشقا للعلم، وذا عقلية خلاقة مبتكرة يعشق المنهجية والتبسيط للقواعد على شكل قوالب وذلك تسهيلا وتيسيرا للناس. ومما ذكر عنه أنه كان يوما يفكر في طريقة لتسهيل العمليات الحسابية للعامة حتى لا يستطيع البائع أن يظلم الجارية الأمية، فلما دخل المسجد كان ما زال مشغول البال بتلك المسألة، فاصطدم بالسارية وأدى ذلك إلى وفاته!ويقال إن الجاحظ كان يعشق الكتب حتى الثمالة، وكان يستأجر دكاكين الوراقين (المكتبة) ليلا لا لينام فيها، بل ليقرأ حتى الصباح. ويشاع أن السبب وراء موته هو سقوط محبوبته عليه ألا وهي المكتبة بما فيها من مخطوطات.وحتى لا أجعلك تتشاءم وتخاف الموت مما تعشق، ففي بعض الأحيان قد تسلم الجرة! والإبداع لا يؤدي بك إلى الموت. في عام 1798 أراد الطبيب الانجليزي إدواردجينر تجربة لقاح ضد الجدري ولكن الغريب أنه لم يجرب اللقاح على نفسه، بل وضع بثور المرض على ذراع طفله! ونجحت التجربة في مناعة ابنه من المرض. ومن ذلك الحين ظهرت عشرات اللقاحات بأنواعها، وتطور العلم حتى صار يسمى علم المناعة! ويرجع الفضل الأول بعد الله إلى ذلك الابن المسكين.ومن الذين كادوا يلقون حتفهم بسبب حبهم للإبداع العالم الرياضي الفلكي المخترع عباس بن فرناس. كان أول من قام بمحاولة طيران ناجحة! وقد حلق في سماء قرطبة بالقرب من قصر الرصافة ورآه الناس، ولكنه سقط وأصيب في ظهره (على عكس ما اشتهر أنه مات بسبب السقوط) لأنه نسي فكرة الذيل!! واكتفى بالجناحين. وقد أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) اسمه على إحدى فوهات القمر. وكذلك كرم في عام 2011 في إسبانيا حيث افتتح جسر عباس بن فرناس على نهر الوادي الكبير في قرطبة، ووضع في منتصف الجسر تمثال له.وأخيرا، لو كان الإبداع سببا للموت لما تطور العلم!! ولكن الموت والحياة بيد الخالق المبدع سبحانه.* م. الهندسة الميكانيكية